ثقافة فنون مختارات مقالات

مسلسل الاختيار رؤية تستحق الكتابة

بقلم الكاتب/ أ. مصطفى رحمة

بعدما نال مسلسل الإختيار شُهرة وتناوله كثيرين بالكتابة على الميديا، ولأنني كاره لجماعات التأسلم السياسي الدوغمائي، ولأنتمائي لجيش بلادي الذي خدمت فيه لمدة أربع سنوات ونصف بداية من السبعينيات.

ولأن حدسي لا يخيب، فمع ظهور رجل الأزهر بالمسلسل، تأكد لدي أن ما كتبته هنا صحيح تماماً.

فقد تتبعت عدد من حلقات المسلسل، التي تتناول بطولة الشهيد أحمد منسي الذي يستحق مننا كل تقدير واحترام واجلال كبيرين.

لي ملاحظة أحسبها غاية في الأهمية فيم يتعلق بالسيناريوا والحوار الذي يغلب عليه آيات من القرآن، حيث جرى على ألسنة الجميع، أفراد الجيش ومن ينتسبون إليهم من أقارب وأصدقاء، بحسبهم يمثلون الحق مقابل الباطل الذي تمثلة الجماعات الضالة لإرهابيين موزعين على تيارات عدة، متخذين من النص (القرآن والأحاديث النبوية ومن سِير بعض صحابة الرسول) أسلوبا أيضا بالحوار كي يبينوا للناس، ولجمهور المشاهدين بحسب السيناريوا، إنهم منتمين عقائدياً لصحابته المحاربون منهم خاصة، وكأن الفريقين على صواب، ومؤلف المسلسل مؤكد كما أغلب المسلمين لا يدرك شيئاً عن أسباب نزول الآيات ولا الناسخ والمنسوخ، وإن أدرك فلا يعلم ما هى الآيات المنسوخة من الناسخة وهذا ما أدى إلى حالة الإلتباس والتناقض بالسيناريو، فالمسلم غالبا إما يحمل إزدواجية فى الرؤى ليتبنى آيات الصفح والتسامح أو ينحاز إلى آيات القتال والعنف كالسلفيين والإخوان والجهاديين من قاعدة ودواعش.


لنا هنا أن نتوقف و نقرأ ما قال به عليّ رضى الله عنه عن النص:

“فعن عليٍّ إنه قال لعبد الله بن عبَّاس، لمَّا بعثه للاحتِجاج على الخوارج: “لا تُخاصِمْهم بالقُرآن؛ فإنَّ القُرْآن حمَّالُ أوجُه ذو وجوه تقول ويقولون، ولكنْ حاجِجْهم بالسنَّة”.

وهنا مكمن خطورة الحوار الذي يدور على ألسنة أغلب الممثلين الموزع على أغلب الحلقات وفي مناسبات متفرقة.
وهنا أمثلة على صحيح ما أقول وما لفت نظري وسمعي وتوقفت عنده ملياً بل ومندهشا

فأن يقول المنسي لرفاقه كمثال وليس حصراً : محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود. سورة الفتح

أو: نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (13)

وفي مشهد آخر يقول القاتل هشام لزملائه : من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ۖ فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا الأحزاب 23

وينهي كلامه دائما ب الله المستعان.

ليأتي من الجانب الآخر وليكن قائد المنسي: وَقَاتِلُوهُم حَتى لاَ تَكُونَ فِتْنَة وَيَكونَ الدّينُ للهِ فَإِنِ انتَهَوا فَلاَ عُدْوَانَ إِلا عَلَى الظَّالِمِينَ سورة البقرة: 193

ويخطب أحد السفلة من الإخوان في زملائه قائلا : وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ ۖ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون” آلعمران 12

ويقول أحد المقاتلين من جانبنا لجنودنا : فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ ” محمد (35″

ويقول أحد التكفيريين وهو يحسب إنه سيحشر في الجنة مع الصديقين والشهداء، لينال مآربه من حوريات أعين وكواعب وأنهار خمر مُخلدّ فيها وكما وقر في صدره : إِذَا انسَلَخَ الأَشْهُر الحُرُمُ فَاقْتلواْ المُشْرِكِينَ (الذين هُم مقاتلينا) حَيْثُ وَجَدتّمُوهُمْ وَخُذوهُمْ وَاحْصُرُوهُم وَاقعُدُوا لَهُم كُل مَرْصَدٍ فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلواْ سَبِيلَهُم إِنّ اللهَ غَفُورٌ رّحِيمٌ سورة التوبة 5َ

(مع التأكيد على أن أغلب هذه الآيات نزلت لسبب آخر بزمن آخر)

وهكذا يدور الحوار (سجال) بين جنودنا، وعلى الجانب الآخر مجرمون يظنون في أنفسهم أبطال محرري المجتمع من مغبة الكُفر والعياذ بالله.

وهنا كان يجب على كاتب السيناريو أن يتوخى خطورة ذلك الخطاب الذي مرجعيته نص واحد بأسباب وأختلافات متعدده ومختلفة بإختلاف الآيات، يرى كل فريق إنه على حق والآخر على باطل، ففي معارك صفين والجمل، كان الجميع يكبرون قائلين الله أكبر ومعها الشهادة، فإن قيد لأحدهم الموت فهو أقرب إلى جنة قد يلتقي فيها بقاتله، فعندما شعر معاوية، قرب أندحار جيشه وهلاكه في صفين، لجأ الى خدعة رفع المصاحف على أسنة الرماح، حتى يفوّت على عليّ انتصار كان قد تحقق بالفعل على معاويه، وإنهزم عليّ وقُتل بعدها.
إن استدعاء القرآن، أي حضوره في حالات الفتن وأشتباك المسلمين ومعترك الحكم، وأعتباره كحكم، هو استغلال للنص القرآني، كوسيلة لتحقيق غاية معينة، بعيدا عن الدين والمعتقد.

للأسف كل الأديان هكذا وذلك يرجع لثراء النص المقدس في القرآن والكتاب المقدس بجزأيه، المشبع بفكر وثقافة وسلوك ونهج مجتمعات قديمة عدائية تجاه الآخر، لتأتي الخطورة في أن هذه النصوص لا تقبع كتاريخ قديم يمكن تحمل تاريخيتها، ولكنها تريد أن تطل على واقعنا بما يُدعى قداستها لتقفز عليه بكل حمولتها، ليقوم الأتباع والمريدين بإحتضانها وإسقاطها وفرضها على الواقع لتجد إرادة تطبيقها حرفياً غير مُعتنية بعامل الزمن والتاريخ، أما الأقل حدة فسيتشبع بمناخها ونهجها وأجوائها، لتكون النتائج وخيمة فى كلتا الحالتين.


فكما تأسست جماعة الإرهابيين الإخوان ومن لف لفهم على تكفير المجتمع وأنهم يعملون على تغييرة والعودة به إلى إسلام الأولين، مثلهم تماما يفعل الإسرائيليون الذين يؤمنون بأرضً قد كتبها الله لهم، مرجعيتهم في ذلك كتابهم الذين يظنون إنه مقدس وإنه أُنزل من عند الرب إلاههم، على موسى المزعوم بطور سيناء.

ففى التوراة تتأسس أسطورة شعب الله المختار والأرض الموعودة لبنى إسرائيل بحسبه الوكيل الرسمى والموزع الرئيسى هى نصوص الكتاب المقدس ففى تكوين 13: 14 (وقال الرب لأبرام: ارفع عينيك وانظر في الموضع الذي أنت فيه شمالاً وجنوبًا وشرقًا وغربًا. لأنّ جميع الأرض التي أنت ترى لك أعطيها ولنسلك إلى الأبد). وفي تكوين 26: 2 (قال الرب لإسحاق: لأنّي لك ولنسلك أعطي جميع هذه البلاد وأفي بالقسم الذي أقسمت لإبراهيم أبيك). وفي تكوين 9: 35 (وظهر الله ليعقوب وقال له: الأرض التي أعطيت لإبراهيم وإسحاق لك أعطيها ولنسلك من بعدك أعطي الأرض).
إذن الأرض جميعها في فلسطين وحتى سيناء هي حق لليهود كما جاء في النص، وحتى في القرآن الوعد موجود،

في سورة المائدة (5) الآية 21: “يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ”.

ومن النصوص القرآنية الاُخرى التي تقول أن الإله أورث بني إسرائيل الأرض.

“وأورثنا القوم الذين كانوا يُستضعفون مشارقَ الأرض ومغاربها التي باركنا فيها وتمت كلمة ربك الحُسنى على بني إسرائيل بما صبروا ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون”. (الأعراف 137)

لم تكتف الآية هنا بالوعد والوعيد لبني إسرائيل، بل نالت من فرعون مصر وأجدادنا القدماء على لسان كلا الفريقين، مالا يستحقون، فقد نعتوهم بما ليس فيهم.

بأن قالوا على ألسنتهم مالم يقولوه بحسبهم كفّار، نزولا على رغبة روايات توراتيه صدقها الناس.
متناسين أن أخناتون هو أول الموحّدين
فقد كنت أظن أن كاتب المسلسل
أي مسلسل هو بالضرورة قارئ جيد
لأسباب نزول الآيات وعلى دراية تامة بتاريخ بلاده.

فمشكلة أغلب المصريين عدم الإلمام بتاريخ بلدهم القديم منه والحديث، وهذه طامة كبرى يحياها أغلبنا للأسف.

ملاحظة: الاراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر منصة روافد بوست.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.