اجتماع مقالات

عالقون ومتعلقون

عالقون ومتعلقون

بقلم ا. عبد الله لحلوح

مع اشتداد الكرب، واختناق أنفاس الحلول، وإغلاق الدروب، ضاقت الأرضُ على الناس، وتقطعت السبل ببعضِ مَنْ كانوا يطلبون العلمَ خارج فلسطين، ووجدَ عددٌ من الطَّلَبَةِ أنفسهم خارج التغطية، فقد كانت الجائحة الكورونيةُ أقوى من كلِّ المحاولاتِ لإعادة أولئك العالقين إلى البلاد، ومع يقيني بأنَّ السلطةَ الفلسطينيةَ ومن خلالِ سفاراتها في العالم، قد حاولت مراتٍ كثيرةً العمل على توفير مخارجَ من هذه الأزمة، إلا أنَّ هذه الجهود لم تُثمِر حتى اللحظة، فالدول التي عَلِقَ بها أبناؤنا كانت وما زالت تحت مرمى نيران هذا الفيروس اللعين، والأبوابُ أوصدت في كل الاتجاهات، والمطارات ضجَّتْ بطائراتِها التي اشتاقت بلا شكٍّ إلى التحليق، لالتهام الفضاء الذي ضاقَ رغم اتساعه، وكلُّ نداءاتِ أبنائنا لإخراجهم من هذه العُزلةِ التي غدت منافيَ قسرية بالنسبة لهم، لم تُفلِح حتى اللحظة، حيث لا يزالون يناشدون ويستنجدون، وقد استمعتُ لتلك النداءاتِ التي تفيضُ ألمًا وحسرةً، فهناك عديدٌ منهم أنفقوا ما تبقى لديهم من مال، وبعضهم انتهى عقده مع تلك الجامعات بما يتعلق بالمنح الدراسية، ومخصصات السكن وغيرها، يُضافُ إلى ذلكَ أنَّهم استُنزِفوا حنينًا وشوقًا لأوطانهم وأهليهم، ولسان حالهم يقول:

” وحبَّبَ أوطانَ الشبابِ إليهمُ      مآربُ قضّاها الشبابُ هنالِكا”

وما زال الحنينُ ينحتُ في قلوبِهم قنواتٍ من الدمع المحموم، ويصرخون ولكن…

في نداء إحدى الطالبات التي أطلَّت على الشاشةِ الزرقاء تقول: لو كنّا خِرافًا أو قطَطًا لأشفقت علينا جهةٌ ما، أما ونحن جيل المستقبل الذي اغتربَ لجلبِ العِلمِ من آخر الدنيا، نفقدُ كلَّ شيءٍ، ولا نسمعُ حتى رسائلَ تطمينية، والأمر بات لا يطاق، وختمت بقولِها:(بِدْنا نْرَوِّحْ)، وشابٌّ آخر أطلَّ على الشاشةِ ذاتِها بلهجةٍ لبناية، عرَّف على نفسه بأنَّه من مواليد اللجوء في لبنان، يقول بحشرجةٍ مشحونةٍ بالغضب والانتقام: عاش أجدادُنا النكبةَ والنكسةَ وذاقوا الويلات، وها نحنُ نجدد عهدَ اللجوء والشتات، وكأنَّ الله كتبَ علينا العذاب، وجعلَنا نعيش الاغتراب. ما حدا سامع صوتنا، وَلْكُنْ خافوا الله يا جماعة، ما معنا فلوس، ولا ضلّ معنا شي، (بدنا نروِّحْ). وقد تتالت الأصواتُ والإطلالاتُ بعده، وكلها أصواتٌ تستنجد وتستعطف وتستغيث، وكلُّهم أبرقوا برسائلهم العاجلة إلى المسؤولين.

هذه الحالةُ العامَّةُ التي أصابت كلَّ المغتربين لدوافع مختلفة، هي حالةٌ تستدعي الاهتمام، والتفكير بمنافذَ ممكنةٍ لإنقاذ هؤلاء الذين حَجَبَتْهم الظروف عن أوطانهم، وشرَّحت قلوبهم، وفطَرَتْ أفئدتهم. ولا بدَّ من بذل مزيدٍ من الجهود للتعامل معهم بما يليق بإنسانيَّتهم، ولا يجوزُ أن يُتركوا لمواجهةِ مصائرِهم في منافيهم المؤقتة.

أما الخبر غير اللطيف الذي قرأته على صفحة الصديق الصحفي الفلسطيني المغترب هارون عمايرة، فمفاده أنَّه وحسب وزارة الخارجية الأردينة، فإنه يتوجب على المواطنين المغتربين الأردنيين والفلسطينيين الذي سُمِح لهم بالعودة، أن يلتزموا بالحجر الفندقي لمدة سبعةَ عشر يومًا على نفقتهم الخاصة، ويُسمحُ للعائدِ اختيار درجة الفندق الذي يرغب بحجر نفسه فيه، كما يتوجب عليه أن يدفع تذكرة إيابٍ جديدة حتى لو كان يملك تذكرةً سابقة، وبأسعارٍ سياحيةٍ معتبرة، ثم بعد ذلك يلتزم بالحجر البيتي لمدة أربعةَ عشرَ يومًا، ويتحمَّل تكاليف نقله من المطار إلى تلك المحاجر، وذلك بعد أن يوقِّعَ على تعهُّدٍ بالالتزام التام بذلك.

ويختتم عمايرة الخبر بعبارة(خليك بالغربة). وهي عبارة مرعبة حقًّا، إنْ صرنا إلى هذه الحال. أليسَ ذلك يدفعنا للتساؤل عن إنسانيَّتنا؟ هل ما زالت زغاريدُ النساء استقبالًا للعائدين قائمة؟، وهل ما زالَ بكاءُ المطويّاتِ على الحنين في وداعِ أبنائهنَّ حاضرًا؟ أم تصرخُ الأمهاتُ جميعًا، ونصرخ معهنَّ: خلِّيكم في الغربة؟

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.