دين مختارات مقالات

الحلقة السادسة والعشرون من سلسلة أنيس الأصحاب من سورة الأحزاب

 

كتب الأستاذ إياد خندقجي:

قال تعالى (‫يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَ 66، وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَ 67، رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا 68).

مناسبة النزول

‫تمضي الآيات في خلاصتها في بيان اصناف عذاب الكافرين في النار واحوالهم بعد اللعن والخلود في النار.

التفسير

يخبر الرب جل وعلا عن احوال اهل النار بعد ان دخلوها فيقول ان الكفار لن يجدوا نصيرا وذلك يوم تشوى وجوههم في النار من شقيها فهي تقلب حتى يمسها العذاب (‫يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ).

حينها سيرجعون لأنفسهم ولا فائدة ليتمنوا لو انهم اطاعوا الله ورسوله فلا يعذبوا مثل هذا العذاب.. لكن هيهات فلا توبة ولا رجوع..(‫يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَ).

ثم يتابعون متمنين ايضا انهم لم يطيعوا سادتهم وكبراءهم الذين أضلوهم عن سواء السبيل (‫وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَ)

ولم يكن لديهم بعدها الا ان رجعوا لانفسهم ونظروا لسادتهم وهم معهم ليدعوا قائلين (‫رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا)

أنيس الأصحاب

في جمع غفير التف الاصحاب لسماع محاضرة حول احوال اهل النار في ضوء هذه الآيات ولما انتهى المحاضر من التفسير سألوا:

– السؤال الأول:

إن (يوم) ظرف زمان ولا بد ان له متعلقا به فما هو في هذه الايات؟

لو نظرنا في الايات قبلها لوجدنا افعالا ثلاثة مضمنة في قوله تعالى (‫خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا)

‫يخلدون مضمنة في خالدين

‫يجدون وليا

‫يجدون نصيرا.. مضمنة في (ولا نصيرا)

‫اي ان المتعلق لا بد ان يكون فيها او في احدها فهم خالدون يوم تقلب وجوههم في النار

‫او لا يجدون وليا يوم تقلب وجوههم..

‫او لا يجدون نصيرا يوم تقلب وجوههم…

‫ولو اننا تاملنا لوجدنا ان السياق بعد (يوم تقلب وجوههم في النار) يدل على ان المتعلق هو (ولا نصيرا) لانهم باتوا يدعون على سادتهم ورؤسائهم باعتبارهم كانوا النصير المتوهم..

‫كما ان اللغة متسقة تماما مع هذا الاختيار لانه الاقرب.

– ‫السؤال الثاني:

‫ان جملة (يقولون) مضارعة فلا هي ماضية للدلالة على الثبات ولا هي مستقبلة فنفهم انها تتحدث عن زمن العذاب بعد قيام الساعة.. فكيف نفهمها؟

‫ان المضارع يدل على التجدد والاستمرار وهذا هو المقصود هنا.. فقد اخبر ربي في موضع آخر (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا) النساء ٥٦

فهم ابدا في تجديد للعذاب وهم دوما تقلب وجوههم في النار وهم دوما يقولون يا ليتنا اطعنا الله…

كلما رأوهم معهم قالوا… وكلما نضجت جلودهم قالوا… وكلما شوت النار وجوههم قالوا.. فهم دوما (يقولون)

تصوير اشد ايلاما لعذاب الكفار.. لن يكون كما الماضي او المستقبل… وهذا فيمن آذى الله ورسوله وأرجف وتهكم.. انه فعلا اشد العذاب.

لن نفصل في آية النساء لكن الاستقبال فيها بحرف سوف دل على ما كانت في سياقه اذ جاءت بعد حديث عن (فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه) كما ان ما بعدها دل على الاستمرار ايضا.

– السؤال الثالث:

وهل كان الكفار يعلمون ان طاعة الرسول واجبة كما الله؟

بل إنهم ايقنوا هناك يوم عذبوا لذا وجدناهم عبروا بما دل على ذلك (‫ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَ) فافردوا طاعة خاصة للرسول

‫لقد كان ياتيهم بالبينات ويحذرهم لكن يعرضون وربما لاذ بعضهم بايمان بالله وبالاصنام التي تقربهم اليه لكن لم يومنوا بالرسول

‫هناك عرفوا وايقنوا بانه صلى الله عليه وسلم اهل للاتباع والتشريع اذ لا ينطق عن الهوى.

– ‫السؤال الرابع:

‫عود الى يقولون… ان كان ما ذكرتم قد لامس قناعة لدينا في (يقولون) فما بال السياق انتقل ل (قالوا) في (وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَ)؟!

‫سؤال حكيم.. نعم… انه تأمل طيب

‫فقد دلت صيغة المضارع هناك على الاستمرار والتجدد اذ التجدد حقق غاية العذاب

‫لكن الماضي هنا (وقالوا) هو الذي سيدل على غاية العذاب اذ المقصود هنا الحسرة

‫كيف!؟

‫ان الكفار منذ كانوا احياء وقبل قيامتهم كانوا قد اتبعوا زعماءهم مقتنعين بما كانوا يعدونهم من اخراج من العذاب ومن نعيم مقيم وانه لا يوم آخر موجود…

‫قالوا حينها انهم اطاعوا.. ويخبر الله من بعد موتهم وتعرضهم للعذاب انهم قالوا.. للدلالة على ثبات قولهم وتوثيقه عليهم.. فاية حسرة اعظم من اعتراف مذنب بذنب حال رغبته في الخروج من العذاب..

‫انهم لن يستطيعوا قول غير ما قالوا لانهم فعلا وثقوا قولهم بالدليل (الكلام) الذي سينطق به لسانهم وايديهم وارجلهم فلا يستطيعون ان يقولوا لأي منها اصمت حتى ‫ان هذه الحسرة هنا هي اشد العذاب..

– ‫السؤال الخامس

‫وما الفرق بين السادة والكبراء في قوله تعالى (وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَ)؟ اهو تلوين خطاب ليس الا ام ماذا؟

‫وهذا سؤال حكيم.. ذلك انه لا زيادة في كلام الله ولا تلوين لمجرد التلوين.. فكل كلمة وكل حرف له مراده… ونحن نحاول كل زمان ان نصل لتاويله… فيارب دلنا بك عليك..

‫السادة.. هم زعماء القوم ورؤساؤهم

‫الكبراء.. هم المقدمون لرأي حكيم او سن او ربما نسب

‫وعليه فان الكفار يتبرؤون من كل من زعموا انهم سينصرونهم ويعينونهم.. فلا السادة الذين سادوا رغما عنهم افلحوا

‫ولا الكبراء الذين اتخذوهم بإرادتهم كبراء نفعوهم

‫ان السادة والكبراء متغايران والتبرؤ منهم له ظلال في كل لفظ مختلف عن الآخر

‫سيتبرؤون من كل من اضلهم سواء اضلهم رغما عنهم ام برضاهم.. سيتبرؤون من الضلال كله… لكن بعد ماذا!!! هيهات

– ‫السؤال السادس

‫لم دعا الكفار على اسيادهم بالضعفين من العذاب وباللعن؟ وكيف نفهم الدعاء باللعن على ملعون من ملعون اصلا؟

‫ذاك لأنهم باتوا على يقين بل رأوا الاسياد يعذبون اصلا وفي داخلهم حنق وحسرة لن يستطيعوا لها صرفا لذا دعوا ان يكون عذابهم اشد

‫وكما ذكرنا سابقا فان الضعف هنا يحتمل امثالا:

‫ضعف لأنهم أضلوهم وقد يكون امثالا

‫وضعف لأنهم خذلوهم وقد يكون امثالا

‫اما كيف نفهم اللعن.. فهو طلب طرد من رحمة الله التي وسعت كل شيء

‫فهم يدعون على سادتهم بان يطردوا حتى عن تخفيف العذاب او العفو الذي هو حق مطلق للرب

‫رغم انهم ملعونون يدعون على ملعونين باللعن

‫هل تخيلتم كم الحسرة والعذاب الذي قدمته هذه الآيات!!! انا تخيلت

‫ان كل من قرأ هذه الآيات سيعيد النظر في اي تساهل يقع منه لمجرد اتباع الاسياد وسيعلم ان التطبيل في الدنيا لن ينفع بحال هناك يوم القيامة… فهل من مُدّكِر!؟

أعظم ما استفدت

‫ان الكفار والمنافقين لن يعلموا الحقيقة الا حين لا يكون لعلمهم فائدة… فمن اراد النجاة فليدرك ما يفيده من علم قبل الا يكون لديه فسحة لعمل ولا لعلم.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

One Reply to “الحلقة السادسة والعشرون من سلسلة أنيس الأصحاب من سورة الأحزاب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.