مقالات موسوعة روافد بوست

اليرموك وبسطائه ودراويشه

كتب الأستاذ علي بدوان:

في مخيم اليرموك، واثناء محنته، سقطت كل حسابات الانسانية، وقوانين الحرمة، والعصمة، واختبار المبادئ. فراح اليرموك وعموم مواطنيه ضحايا في معمعة الأزمة الطاحنة. وكان دراويشه من ابرز الضحايا البشرية.

لمخيم اليرموك دراويشه وبسطائه، ممن كانوا بَركة اليرموك وسماحته، عبر سنواته الطويله الممتدة منذ قيامه منتصف العام 1954 وحتى محنته الأخيرة، كما له نُخبِه السياسية والثقافية والعلمية والتربوية والتجارية وغيرها، حاله كحال كل المجتمعات، مع إضافات التميّز التي صبغته عن غيره من المجتمعات التي لم تواجه المصاعب الشبيهة التي أصابت فلسطين وشعبها، ولاجئيها على وجه الخصوص، ومنهم لاجئي فلسطن على ارض وطنهم الثاني الكبير سورية الطبيعية.

بسطاء اليرموك ودروايشه، كانوا من عامة الناس، إندمجوا وتماهوا مع حياة الناس في مخيم اليرموك حتى الثمالة، فصار الواحد منهم يستنشق هواء مخيم اليرموك، ولايغادر اليرموك الى قلب دمشق أو غيرها الا عند الضرورة ولمرة واحدة كل عدة سنوات، ويرى باليرموك بأزقته وحاراته وعاداته وتقاليده وأعراسه وأفراحه وأتراحه وطنه الفلسطيني (البعيد ــ القريب). فقد كان الواحد منهم على بساطته ودروشته، يَعرف ويعلم سيرة وطنه الفلسطيني، وجغرافية وطنه من رأس الناقورة حتى رفح ومن البحر الى النهر، أكثر مما يعرفها الملايين من العاقلين في بلاد العرب أوطاني.

دراويش اليرموك وبسطائه، كانوا على الدوام ينتشرون منذ الصباح الباكر في مناطق اليرموك، وشوارعه الرئيسيه، في شارع اليرموك، وشارع الشهيد جلال كعوش عند سوق الخضار الرئيسي حيث الإزدحام الشديد، يمارسون حياتهم البسيطة، بحبورٍ شديد، وبِزاد القناعة والشكر، والأمل بالعودة لفلسطين وطنهم الأزلي، وطن الأباء والأجداد.

رفضت غالبية دراويش اليرموك مغادرته بعد محنته الأخيرة، بقرارٍ عفوي، فسقط منهم العديد من الشهداء بنيران الموت الأعمى، وهم من كانوا أحبة لجميع الناس، الذين كانوا يبادلوهم العطف والحنان، ومد يد العون والمساعدة لهم جميعاً، بما فيها المساعدة المادية وغيرها.

كنت تراهم في المناسبات الوطنية، يحاولون تَصدُر المشهد ليس لـ (البروزة) كما يقال بل لتثبيت المشاركة الوطنية. فمنهم من كان يرتدي الكوفية، والبذه الكاكية الفدائية مثل (حسن الصبّاح) رحمه الله. ومنهم من كان يضع على صدره النياشين والشعارات الوطنية، باعتزاز وفخر كبير. ففي كل مناسبة كانوا من الحضور، خصوصاً عند تشييع الشهداء.

لقد سقط منهم في محنة اليرموك، الشهيد يوسف الخطيب من بلدة (شفاعمرو قضاء حيفا) الدائم التواجد على شارع اليرموك، فأستشهد بقذيفة نالت منه في منتصف شارع اليرموك. وسقط منهم الأخرس والبسيط الشهيد محمد خير منصور (من بلدة إجزم قضاء حيفا) ابن بائع القماش المعرف باليرموك بــ “البرجاوي”. فقد كان الأخرس محمد خير منصور صاحب المحل المتواضع الذي يبيع كل شيء : من الصحف القديمة، والكتب المستعملة، وغيرها، اضافة للدخان، حيث كان يبيع الدخان (فرط بالسيكارة) وغيرها.

وكان منهم حسين فلاح (من قضاء طبريا) الفلسطيني الذي لجأت عائلته الى الجولان عام النكبة، والى اليرموك بعد حرب حزيران/يونيو 1967. أما مروان مشعل (من المنشية قضاء عكا) فكانت مشاويره مسائية بشارع لوبية وجنباته وحاراته الفرعية، وكل ماكان يبتغيه عبارة عن كاسة شاي وسيكارة. ومنهم أيضاً عتابا الصفوري من (صفورية قضاء الناصرة) الذي أنهكته محنة اليرموك فمات داخل اليرموك وبقي شقيقه وليد مرافقاً له ودفنه بيديه. أما عوني نواره وهو من بلدة (عين كارم) قضاء القدس، فكان يحلو له كما اعتاد، أن تبدأ مشاويره الصباحية باتجاهات معينة، داخل اليرموك وشوارعه، ومنها الطريق الواصل بين ساحة شارع فلسطين وسوق الخضار وبلدية اليرموك، تلك المنطقة التي اصبحت في مسار الأحداث خط اشتباك ناري مُرعب، فكان يحاول عبور هذا الخط اليومي في أوجّ التسخين الناري، فيما الصرخات تدعوه للخروج منه… بينما اشتق الأخرس الطبراني (سليمان نايف) طريق البحر بعد فترة من الزمن مع الناس ووصل الى السويد. مع انه كان من ناشطي اليرموك لجهة مشاركاته بالفعاليات الوطنية، والملفت اقتنائه (الجوال) وهو الأخرس، وفقط، من أجل تصوير الفعاليات الوطنية.

شهداء ابرياء، لا ناقة لهم ولا جمل، سقطوا في المحنة، وهم لا يعرفون، ولا يدركون، ما الذي حصل، لكنهم يعرفون في دواخلهم بأنهم فلسطينيون، ولا ينتظرون سوى العودة لفلسطين. رحمهم الله جميعاً.

Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.