سياسة مجتمع مقالات

الجثة في الثلاجة والمشيعون ممتنعون

كتب الاستاذ عدلي صادق:

ربما يكون قد حان الوقت، لكتابة الفصل الأخير من حكاية أوسلو. ومن المؤكد أن الوقت قد حان، لتكملة الجملة البديعة، التي قالها الشاعر محمود درويش، عندما قرأ اتفاق إعلان المباديء: “لقد دخلنا زمناً بغير ماضٍ”!

قدم محمود استقالته من اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير وتنحى جانباً وسلم نفسه للمقادير كمواطن فلسطيني، وشرح موقفه قائلاً بلغة فنان: لا أريد أن يصبح موقفي مشكلة، فأنا شاعر غنى لمرحلة الكفاح، ولا أجد عندي شيئاً أقوله بعدها. فقد انتهى دوري”!

كان كلما رآني، يبادرني بالقول:”لا زلت أتابعك بحماسة، فالكاتب السياسي يختلف عن الشاعر، لأنه مضطر لمواكبة الحدث، والتعليق عليه”. أجبته في المرة الأخيرة، وكنا في القاهرة، ووجدته جالساً مع الشيخ تيسير التميمي: ” إطمئن يا محمود، لا تزال جملة شعرية من قديمك وجديدك، تكفيني عندما أفككها، لكي أكتب ألف مقال”!

أما أبو عمار، الزعيم والشهيد الباسل فيما بعد، فقد كانت له رؤيته، قبل حفل التوقيع على الإتفاق، تتخطى مسؤوليات الشاعر والكاتب. فقد أراد أن يمسك بكل شيء، لكي يدخل الى الزمن الذي وصفه محمود، وقد أمسك بالخيوط كلها في يده، لكي يستطيع أن يخرج ـ إن خرج ـ وفي يده كل الخيوط. لذا، اشترط قبل حفل التوقيع، ألا يكون مثل ذكر النحل، الذي يلقح الملِكة ـ الأنثى، ثم يموت!

غير أن سنن الحياة والتاريخ والسياسة، لا تضمن مستقبلاً لمن يرمي وراء ظهره كل تاريخ شعبه. فهذا لا يستطيع التعرف على حاضر هذا الشعب، ولن يقدم شيئاً لمستقبله. ومن نافل القول، أن لا أحداً ممن شاركوا في أوسلو، لديه الحد الأدنى من المعرفة بتاريخ فلسطين، لأنهم لم يقرأوا أصلاً.

أبو عمار دخل على مضض، وقد اكتشفت ذلك شخصياً، لأنني كنت وقتها بدرجة سفير وأعمل نائباً للسفير لدى الجزائر، وفي الوقت نفسه أكتب ضد أوسلو، في صحيفة “القدس العربي” اللندنية، واكتشفت أن “الختيار” مسرور بما أكتب. وعندما اختبرت موقفه، تأكدت من ذلك، وزادتني التطورات ومناسبات التلاقي قناعة بموقفه. ولما سمع رأيي مرة، قال لي بالحرف الواحد:”أعمل إيه ياخويا.. حليفك الدولي إنهار، وحليفك العربي هزم نفسه” وكان يقصد الإتحاد السوفياتي والعراق. فقد كنت أعيش الظروف التي كان فيها، محاصراً عربياً ودولياً، بعد غزو العراق الكويت، ومن خلال تقديرات ـ ربما بالغ فيها ـ لقدرته على الإختراق والإنتقال الى الجغرافيا الفلسطينية، خاض الغمار غير هيّاب، وفي ذهنه أنه سيفرض معادلات جديدة، طالما أن ذكر النحل قد أدى فعل التلقيح دون يموت!

لكن ساح فلسطين، بطبيعتها، ليست صندوقاً في منحلة، لا يموت فيها الذكور بمحض غواية التلقيح. وفي المحصلة، مات الرجل شهيداً شهيداً شهيداً، مثلما أعلن بنفسه!

قُبيل حفل التوقيع، أراد أبو عمار أن يوقع هو ورابين، أمام الحاضرين في الحفل، على غرار حفل اتفاقية “كامب ديفيد” التي وقعها السادات ومناحيم بيغن. وكان عباس متطيراً مسبقاً، لأن الزعيم ملأ الصورة، بينما هو يرى نفسه صاحب الطبخة والأكثر استحقاقاً ببهجتها. لكن رابين، إعترض بروتوكولياً. فأبو عمار ليس رئيس وزراء دولة، لكي يكون نداً له. بل إن الصدام كاد أن يحدث في لقائه الأول مع رابين، في الصالة المؤدية الى حديقة البيت الأبيض التي ينتظر فيها الحاضرون. فعندما كرر أمام رابين مقولته عن “سلام الشجعان” بين جنرال وجنرال، استشاط رابين غضباً، وتمايل برأسه يميناً وشمالاً مستنكراً هذه الندية التي رآها رابين غير منطقية، وقد تكررت بلسان “الختيار” حكاية الجندي والجندي، والجنرال والجنرال، عدة مرات في لقاءات مختلفة، وفي كل مرة كان رابين يشتكي للوسيط، من هذه الصيغة التي تستفزه.

وبالمناسبة، حتى تعبير “سلام الشجعان” اتضح لي أنه غير مناسب تاريخياً، لأنه بالنسبة للثوار، يتعلق بمحاولة الغالب تقديم التعويض المعنوي للمغلوب الذي يريده. وفي الحقيقة، كان الذي نبهني الى هذه الملاحظة، الوزير الجزائري المخضرم عبد الرحمن بن عياط، عندما قال لي إن “سلام الشجعان” هذا، هو تعبير استخدمه الجنرال ديغول، عندما زار الجزائر في أكتوبر 1958 ودعا في خطابه الثوار الجزائريين الى النزول من الجبل وتسليم أنفسهم والدخول مع فرنسا في “سلام الشجعان”. وقد نقلت هذه المعلومة الى “الختيار” لأن بيرس يعرفها، ونخشى أن يفهمها حسب سياقها التاريخي.

المهم، وباختصار، وقع على الإتفاق في الحفل، عباس وبيرس وزير الخارجية، لكن حال جماعتنا الأوسلويين، في الليلة التي سبقت الحفل، كان ينم عن مستواهم. فقد اكتشفوا في الساعات الأخيرة، أن أبا عمار ليس لديه خطاباً مكتوباً. كانت تلك آخر المفارقات قبل التوقيع. وكان من بين الرزايا قبلها، ما ينم عن جهلهم بجغرافيا الوطن وتضاريسه. ومن الأمثلة، أن تطبيق أوسلو كان يبدأ بغزة وأريحا، لكن المعرفة العيانية بغزة كشريط ساحلي ضيق ومعلوم، كانت هي كل ما لدى الفريق من معرفة جغرافية، مع مجاهيل تفصيلية بسيطة، كأن يقول واحد من متابعي التنفيذ، عن مواصي خان يونس بأنها النواصي. أما أريحا فجماعتنا كانوا “طلطميس” لا يملكون معرفة بالمساحة التني يمكن أن نأخذها تحت عنوان أريحا، لأن لأريحا ثلاثة عناوين بثلاث مساحات: المدينة 17 كم مربع، والمدينة مع محيطها 28 كم مربع، لكنها كمحافظة 170 كم مربع!

سريعاً وفي الفندق، ارتجل باسل عقل، سطوراً للخطاب، فخرج خالياً من رواية المظلومية التاريخية، وكما قال درويش بغير ماضٍ، ورزية من الرزايا. ثم إن المدة محددة، ولا يُسمح بالإرتجال لكي يقول أبو عمار، إنه يرى ضوءاً في آخر النفق، وترونها بعيدة ونراها قريبة، ويرفع شبل أو زهرة علم فلسطين، على مآذن القدس وكنائس القدس!

مضت المرحلة الأولى، من التطبيقات الشكلية لاتفاق أوسلو، في غمرة البهجة القصوى لمن تنعموا بها، غير مدركين أو متوقعين، خشونة الخازوق الذي يجري تنجيره لهم. كان الواحد منهم، يخرج لكي يرى عمته أو خالته، في الجوار القريب، فيصرف لنفسه مهمة عمل، ويعود بالمحمولات.

كانت الحقيقة، تكمن في عبارة محمود درويش القصيرة: دخلنا زمناً بغير ماضٍ، والآن نكملها قائلين، وبغير حاضر ولا مستقبل. فلا زلنا معلقين في زمن عباس، بينما جثة أوسلو في الثلاجة، والمشيعون ممتنعون!

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.