أدب و تراث مختارات مقالات

البروفيسور الأسطة يكتب عن الست كورونا والجامعة

الأستاذ الدكتور عادل الأسطة يكتب:

الست كورونا والجامعة

اليوم زرت الجامعة بعد انقطاع عن زيارتها منذ بداية الحجر الصحي.

السائق الذي أقلني، وهو من مخيم بلاطة الآن، وأهله من الجماسين قرب يافا، سألني عن رأيي في الست كورونا وإن كانت مفبركة أصلا، وقد عبرت عن رأيي قائلا إنني، مثل كثيرين غيري، حائر في الأمر، فما أشاهده من أشرطة فيديو حقيقية ومفبركة، يتحدث فيها عرب وغير عرب، علماء ورجال سياسة واقتصاد، مشعوذون وعلمانيون أربكت أكثرنا. إننا في حيص بيص حقا.

سألت السائق إن كان زار يافا وقضاءها وعرف بيت أهله فأجاب بالإيجاب، تماما كما سألته عن حركة العمل. لقد اعتدت في هذه الأيام على توجيه الأسئلة للسواقين للإلمام بأحوالهم وكيف دبروا أمرهم خلال فترة الحجر الصحي، ولو كنت مسؤولا في الحكومة لأصررت أن يدفع لكل سائق ولكل عامل مياومة مبلغ 1500 شيكل شهريا

طالما استمر الحجر الصحي.

أما كان الأجدر أن تحول المبالغ المدفوعة إلى حسابات المستفيدين بنكيا ؟ ربما هذه نكتة، فمن له من عمال المياومة رصيد بنكي ؟

عندما دخلت إلى مبنى الجامعة القديم لم أضع الكمامة، فلم أشترها حتى اليوم، ولاحظت بعض موظفي الجامعة من حراسها يضعونها.

لو لم تكن هناك كورونا لكانت الجامعة الآن تعيش فترة الامتحانات، ولكان الطلاب يملأون الزاويا وأماكن الظلال فيها، ومن المؤكد أن الساحات ستكون خالية من الطلاب بسبب موجة الحر الشديد، فالساعة كانت تقارب الثانية عشرة ظهرا.

في مبنى الإدارة يجلس أكثر الموظفين في مكاتبهم ينجزون أعمالهم، وفي المبنى العام لا ترى إلا موظفا في العلاقات العامة وزميله جالسين في الظل ينشدان الهواء والنسيم العليل.

لا أحد في الجامعة ولم أفتح مكتبي لتهويته فسرعان ما أقفلت عائدا.

ماذا سيجل بهذه المباني لو فتكت بنا الست كورونا وصرنا نعيش حالة أهل ( فلورنسة ) في العام ١٣٤٨ م أو حالة أهل لندن في ١٦٦٢ م ؟

وماذا لو تم الفتك ب ٦٥٠٠ مليون من البشر ليبقى ٢ مليون فقط ؟

هل سيأتي شاعر جاهلي ليقف على الأطلال ويكتب :

” يا دار ” النجاح ” في سفح جرزيم سلاما

أين احتفالات الخريجين فتية وفتيانا “

أو

” أقفرت من طلابها النجاح

فالكافتيريات حولها والساح “

– ” جنة من غير ناس ما بتنداس “

لقد كررت اليوم أيضا هذا المثل، ولم أعهد الجامعة على هذه الشاكلة إلا في الإجازات، وحتى في الإجازات لا تشعر بما تشعر به حين تزور الجامعة في زمن الكورونا.

لا جديد في الأشرطة، فالمعلومات تكاد تتقارب وتتشابه ولا يختلف فيها إلا الوجوه واللغات.

أول أيام عيد الفطر قد يكون السبت وفي مساء الجمعة ستمنع الحركة في المدينة وبين المدن لمدة ثلاثة أيام، ولا أعرف إن كان القرار صائبا وحكيما، فالناس في العيد تظل في بيوتها، بعد أن تزور أقاربها في اليوم الأول.

في الطفولة والشباب كنت أزور قبر أخي وجدي وجدتي وأضع على قبورهم سعف النخيل حتى أمنع عنهم العذاب، ومنذ بدأت أعيش العذاب، منذ ثلاثين أربعين عاما، نسيت زيارة القبور وشراء السعفات وجرها إلى المقبرة ونسيت أيضا أخي وجدي وجدتي وأبي وأمي لدرجة أنني منذ توفي أبي في ٢٠٠٦ وأمي في ٢٠١١ لم أزر قبر أي منهما.

اليوم كان الجو حارا جدا جدا.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
عادل الاسطة
أستاذ دكتور متقاعد، كان يعمل في قسم اللغة العربية بجامعة النجاح الوطنية في فلسطين منذ 2002م، وحاصل على درجة الدكتوراه في الأدب العربي من جامعة بامبرغ/المانيا في العام 1991م، يكتب في الأدب في مواقع مختلفة، وله زاوية أسبوعية في جريدة الايام الفلسطينية منذ تأسيسها. صدر له 14 كتابا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.