دين مختارات مقالات

الحلقة الرابعة والعشرون من سلسلة أنيس الأصحاب من سورة الأحزاب

الحلقة الرابعة والعشرون من سلسلة أنيس الأصحاب من سورة الأحزاب

بقلم ا. اياد خندقجي

قال تعالى (‫لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا، 60 مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا، 61 سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا 62)

مناسبة الآيات

تشرع الآيات في بيان أشنع المؤذين لله ولرسوله تأسيسا على ما مر في الحلقة الماضية من بيان لعنهم.. وتبين انهم المنافقون الذين استوطنوا مدينة رسول الله فكانت لهم في الإيذاء بصمة لعنتها السماء.

التفسير

بأسلوب فيه تهديد يقول الرب جل وعلا مخاطبا الرسول صلى الله عليه وسلم ان هؤلاء المنافقين في المدينة مطالبون بالانتهاء عن كل ما يقومون به من أذى لله ولشخصك وأهل بيتك يارسول (‫لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ)

انهم ان لم يفعلوا فاننا سنسلط عليهم عذابا مقترنا بفعلك حتى لا يظل لهم موطئ قدم في المدينة (لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها الا قليلا)

سيظل هؤلاء المرضى الذين يثيرون الفتن والأزمات في المدينة مطرودين من رحمة الله معرضين للقتل اينما وجدوا وحلوا

أنيس الأصحاب

في رحلتنا للعمرة وفي باص رحلتنا قبل الوصول للميقات ناقشنا هذه الآيات:

– سأل الأول: المنافقون هنا مطالبون بالانتهاء… فما الذي كانوا يصنعون لينتهوا عنه؟

أورد الطبري وغيره ان الفعل المقصود هنا هو الزنا وربما وافق السياق الخاص بتطهير بيوت النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين.

ولكن العبرة بعموم اللفظ والسبب المخصوص بالمنافقين تعدى الزنا الى التحريش بين المؤمنين كما مر في الحديث عن الاحزاب وكذا ايذاء زوجات النبي صلى الله عليه وسلم باتهامهن وقذفهن كما في حادثة الافك (وقد اشرنا الى هذا سابقا) وغيرها من اقوالهم وافعالهم التي اوردها القرآن

لذا فان المقصود والله اعلم الامر بالانتهاء عن كل ما فيه اذى للرسول صلى الله عليه وسلم ولجماعة المؤمنين.

– وقال الثاني… وهل المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة اوصاف لنفس القوم ام انهم اقوام ثلاثة مامورون بالانتهاء جميعا عن الاذى؟

بحسب السياق وما يفهم من الآيات فان هذه اوصاف للمنافقين بحسب افعالهم التي امروا بالانتهاء عنها وهذا من اسباب قولنا بان الاية عامة لا تخص الزناة او الداعين له من المنافقين فحسب…

فاما (المنافقون) فهم الذين يبطنون الكفر ويظهرون الاسلام بالسنتهم وهم بحسب هذه الصفة مطالبون بتقديم الولاء للدولة الاسلامية والرسول والانتهاء عن هذا الكذب والتمويه فاما اسلام واما اكفر

واما (الذين في قلوبهم مرض) فهي صفة لفعل يقوم به المنافقون يدل على شكهم وتشكيكهم في الدين ويدخل فيه الزنا والقذف ومحاولة زعزعة صف المؤمنين والبيت النبوي الشريف.

واما (المرجفون في المدينة) فهم انفسهم الذين تحدثت عنهم الايات حين تحدثنا حول الاحزاب وغزوة الخندق اذ قالوا (بيوتنا عورة) وما كانوا يدعون اليه ضعاف الايمان كما ورد في حديثنا حول (بادون في الاعراب يسألون عن أنبائكم)….

فهم المنافقون بأعمالهم وليسوا اصنافا ثلاثة كما نختار ونرى… والله أعلم.

– ثم سأل ثالث: الآية خاطبت الرسول هنا ب (لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها الا قليلا).. فما مفهوم الاغراء هنا (لنغرينك)وكيف نفهم المجاورة القليلة (الا قليلا)؟

ان الاغراء لغة ياتي بمعنى الالتصاق والولع وهو هنا بمعنى لنسلطنك عليهم فلا يجدون عنك محيصا…

وعليه فان سياق (لنغرينك بهم) يدل على ان المنافقين مهددون بما كانوا يحذرون منه ويفرون وهو الرقابة الدائمة

ليس لديهم مجال للهرب من بعد ولا هناك فرصة ليخرجوا ويقولوا (ايش الاخبار)

لقد صاروا من بعد خيانتهم هم الاخبار والضوء مسلط عليهم فلا يتجرؤون على التلصص ولا نقل الاخبار… فالرسول وصحبه معكم كالغراء لا ينفكون عنهم… ما ابدع هذا التصوير وما الذه

أما (إلا قليلا) فلأخذ المسافة المناسبة عن الاحتمال الوارد في توبة بعضهم او توبتهم عن بعض ما قاموا به.

– وقال رابع: هل للعنة هنا مفهوم آخر غير ذاك الذي تحدثنا عنه بالتفصيل حين (إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا) !؟

بل إنه بيان وتفصيل له فاللعنة في الدنيا طرد من رحمته تعالى قبل الموت والله يخبر هنا عن بعض حالاته وهي (أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا)

انهم لن ينعموا بامن في حياتهم فلربما اخرجوا من المدينة ولربما ظلوا بين ظهرانيكم ايها المؤمنون.. لكنهم ابدا لن يتنعموا بحياة.. فهم اينما وجدوا اما انهم سيؤسرون او سيقتلون قتلا اكيدا بعد أخذ… ان عاجلا او آجلا،، لن ينعموا بحياة.

لقد تاملت في (وقتلوا تقتيلا) فوجدت ان سنة شرعية كونية تتضح في ظلالها.. ذاك ان من تابع وعرف وتامل في الكتاب المسطور وجد ان كوننا المنظور قد نفذ العقوبة.

المنافق لن ينعم بحياة من اعدائه فالمؤمن متربص به، لكن الأشد لذة هو انه متعرض لسخط اصحابه واوليائه بعد انتهاء مهمته

هم كالنعال يخلعه السيد بعد ان يعلوه التراب.

– وتساءل خامس: من هم الذين خلوا من قبل الذين تتحدث عنهم الآيات (سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا)؟

إن قوله تعالى (خلوا من قبل) يعود على كل الاقوام الذين كذبوا الرسل من قبل

وان دل هذا على شيء فانما يدل على ان كل ناجح متعرض للذباب والكيد والتعسف في الصدام وان كل نبي تعرض لما تعرض له محمد عليه الصلاة والسلام من كيد وإرجاف

نذكر تماما ما قيل عن شعيب عليه السلام (ولولا رهطك لرجمناك)

وما حل بلوط عليه السلام (اخرجو ال لوط من قريتكم انهم اناس يتطهرون)

وما قام به بنو اسرائيل في التيه مع موسى عليه السلام (قال فانا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري)

وما امر صلب عيسى عليه السلام عنكم ببعيد

ولقد قالت جدتي يوما.. كل بيت لازم فيه مزبلة.

وهذا يقودني الى اعظم ما استفدت فنقول

أعظم ما استفدت

لقد تأملت في كل ما ورد تحت بند (سنة الله) فوجدت ان من (خلوا من قبل) هم أنفسهم الذين – بقوا من بعد -.. فسنة الله التي ذكر بها نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم بمن خلوا تكررت في زمانه… وهي عينها والله… تتكرر في زماننا… وهي التي ستكرر مع أحفادنا

ان تأمل السنن الكونية المبثوثة في السنن الشرعية هو مراد كل راغب في السكن واليقين.. ولقد بلغت… فيا رب اهد اخواني… واشهد.

وللحديث بقية إن كان في العمر بقية

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.