سياسة مقالات

قوة الذكرى في مواجهة التدليس

قوة الذكرى في مواجهة التدليس

بقلم ا. عدلي صادق

مرت الذكرى الثانية والسبعون لانتهاب فلسطين، في ضَوْء معطيات وتطورات غير مسبوقة، إن كان في جموح المشروع الصهيوني ووضوح مراميه، أو في عمق انهيار الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة، ومأزق من يتقلدون مسؤوليتها وباتوا يموءون مثلما تموء القطط. فعلى الرغم من ذلك، وبينما اللحظة السياسية، تشهد خيبة أمل رسمية فلسطينية، وانسدادأً في الأفق أمام التسوية على أراضي احتلال 67؛ إلا أن إحياء ذكرى استلاب 1948 كان في المجتمع الفلسطيني يتجاوز خارطة التسوية، وأعلى صوتاً وأقوى استذكاراً. بل إن الأحداث التي مكنت الصهيونية من فلسطين، كانت ـ هذه السنة ـ أشد مدعاة للإستدعاء، لكي تحفظها الأجيال عن ظهر قلب، فلا يُطمس منها مشهد ولا أي تفصيل، ولا يضيع شيء من مُدركات القضية، جغرافية كانت أو حقوقية.

معنى هذا، إن المحتلين المتغطرسين، الذين أخذتهم أوهام القوة، الى تلك الدرجة من إنكار وجود الآخر وحقوقه والتعدي عليه وقتل أبنائه؛ قد فشلوا وسيفشلون في محو الذاكرة، وسيفشلوا ويفشلون في مصادرة المستقبل، وضمان رضوخ الفلسطينيين على مر السنين. فإرادات الشعوب، لا تقاس بأحوال جيل أو حركة افلست وتعفنت من داخلها. والحياة، في سننها، تمضي لصالح الشعوب، والشعوب تتطور وتزداد علماً بأسرار تجاربها، وتمحّص تاريخها وتستخلص العبر. لذا فمن الحماقة أن يبني المحتلون خططهم قياساً على أوضاع حاكمين راهنين، اختاروا بأنفسهم طريق الهوان في مواجهة العدو وازدادوا ضلالاً فأدخلوا أنفسهم الى مآزق مع ذواتهم، ومع مجتمعهم الفلسطيني، وضيّعوا بوصلتهم!

معلوم أن العدو، بدهائه، يبني سياساته، على قاعدة أن الفلسطينيين لن ينسوا انتكابهم في وطنهم، وأنهم لا زالوا يحفظون أسماء قراهم وحارات مدنهم وعناوين بيوتهم. ومثلما سلّم الأجداد الفلسطينيون لأبنائهم، كل الإحادثيات والأسماء والقرائن، فقد سلمها الأبناء للأحفاذ الذين سينقلونها من جيل الى جيل. لذا، لم يَعُد هناك داعٍ للتبسط أو التحفظ في الحديث عن كل فلسطين، مراعاة لعملية سلمية ولتحصيل ما يمكن تحصيله. لقد فشل مشروع التسوية، وكان المحتلون هم الذين أفشلوه. وعليه فإن الحقيقة الفلسطينية الساطعة، ينبغي أن تعود بقوة، لكي تتحول الى سياسة، والى مظلة واضحة الألوان، للفضاء الثقافي الفلسطيني. لقد أهينت مفردات التسوية الممكنة ونصوصها وأصحابها، وحُذفت من التداول، هي ومخترعوها على الجانبين. بل إن الحزب الصهيوني الذي تبنى بعض مفردات التسوية المراوغة، وقدم لنا طبخة أوسلو المسمومة، أصبح اليوم يتوسل وظيفة “كومبارس” على مسرح بنيامين نتنياهو ممثل القوى الصهيونية الأصولية العنصرية، الغارقة في دمنا!

استلاب فلسطين في العام 1948 حدث لن تتغير قراءته، ولا قراءة السياق الإمبريالي البريطاني الذي فتح الأبواب الصهيونية لكي تنفذ جرائمها. بالتالي لن يتم تجاوز النكبة، لا في الفضاء الثقافي الفلسطيني والعربي ولا في المجتمع الفلسطيني ولا في الوعي الحقيقي لأحرار العالم.

لسنا في حاجة الى التذكير، الى أن “نكبة” 1948 قد أطاحت بعروش وطرابيش ورؤوس، في كل المساحات المجاورة لفلسطين، وغيرت مسارات تاريخية في أقطارها. واليوم، بحكم أن كل المساحات نفسها، راهنت على التسوية، وظلت تراهن أكثر، كُلما اشتد عناد المحتلين، فإن المأزق سيكون شاملاً، ونتوقع الكثير. فقد ظن الواهمون أن مبادرات التطبيع والتزلف بالاتصالات والعلاقات المستترة، يمكن أن تؤدي الى تليين موقف المحتلين؛ إلا أن الحقيقة ظهرت على نحو صادم للجميع، وأكثر جلاءً في هذه السنة. وللأسف، كان الطرف الأشد بؤساً من الواهمين، هم جماعة ما يُسمى “التنسيق الأمني” الذين تعهدوا إحباط حتى العمل الشعبي المقاوم، وتفكيك منظوماته الإجتماعية، وتعمدوا افتعال الإنقسامات وخلق العداءات والشلل والمحاور البائسة، وكثفوا كل جهودهم لخنق الإنسان والمجتمع في غزة !

نجزم بكل اليقين، بل بكل الإعتزاز، أن الذين أسهموا بضحالتهم السياسية في وصول حركتهم الوطنية الى هذا المآل، هم أعجز بكثير من المشاركة في نحر القضية الفلسطينية، لأن هكذا مهمة يعجز عنها المحتلون بكل جبروتهم. فقضية فلسطين، لا ينحرها فاشلون، وهي لا تزال المقياس الأدق والأصلي، لأوزان وشرعيات الأنظمة ورصانة الدول في الإقليم. فمن يتوهم غير ذلك يخطيء بحق نفسه أولاً، ثم بحق الأجيال من أبناء شعبه. ففلسطين سرمدية وخالدة، رُغم أنف الصهيونية ورُغم تفشي التدليس.

Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.