أدب و تراث مختارات مقالات

البروفيسور الأسطة يكتب الست كورونا: وقفة عز .. ووقفة نذالة

جديد حلقات الست كورونا مع أ.د. عادل الأسطة

الحياة بدأت تقريبا تعود إلى طبيعتها، ولولا أن السائق غير مجرى سيره وشرح لي السبب لما شاهدت اليوم في المدينة ما يذكر بالست كورونا والحجر الصحي.

لم يختر السائق اليسار وواصل السير بالطريق المستقيم، وهكذا لم نمر بمقر البنك الوطني، وقد أعفاني السائق من السؤال حين برر سلوكه متحدثا عن الأزمة وسببها.

أكثر من خمسمائة مواطن كانوا يقفون، أمام البنك وفي الشارع العام، ينتظرون دورهم للحصول على مساعدة من صندوق “وقفة عز” الذي أسس لدعم من تضرروا من العمال بسبب الحجر الصحي، ولم يكن الأمر مختلفا أمام مبنى بنك فلسطين.

السائق قال لي إنه فحص عن اسمه الكترونيا فلم يعثر عليه، ولما كنت أعرف أنه موظف فقد أخبرته عن السبب:

– ما دمت موظفا وتأخذ راتبا شهريا فلن تحصل على مساعدة من الصندوق.

الخبر المتداول اليوم في الضفة الغربية على ألسنة المواطنين وفي وسائل التواصل الاجتماعي، كان محوره كلام الوزير عن طبيب راتبه سبعة آلاف شيكل تقدم للحصول على مساعدة من صندوق “وقفة عز” – رحم الله أبي فقد طلب مني وأنا أستاذ جامعي أن أسجل في نهاية الانتفاضة الأولى اسمي للحصول على مبلغ رمزي من وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، فابتسمت وأعطيته “كرت المؤن” الخاص بي وقلت له:

– إن حصلت على المبلغ فهو لك، وأنا لا أريد. ولا أعرف ما ألم بكرت المؤن وأغلب الظن أنه سرق من شقتي.

نحن الفلسطينيين فينا من الأمراض الاجتماعية والنفسية ما فينا، ففي العام ١٩٤٨ سجل كثيرون من سكان مدن الضفة الغربية وقراها أنفسهم مع اللاجئين ليحصلوا على معونات من وكالة الغوث، ف ” اللي ببلاش كثر منه ” و ” مكسب من العرصات ” و” شعره من طيز خنزير بركة ” و ” الكل سجل فلماذا لا أسجل ” و ” إن لم تأخذه يأخذه غيرك ” و ” المساعدات للكل ” و …

وفي رواية عارف الحسيني “كافر سبت” ظلت عبارة “والحقيقة أن النذالة لا دين لها ….” تلح على ذهني، فالنذالة قد تجد في ظروف مثل ظروف الكورونا مرتعا خصبا حيث الاستغلال واقتناص الفرص وموت الضمير والجشع وارتفاع أسعار المواد المعقمة والكمامات وإلى آخره إلى آخره.

واليوم كنا ننتظر ما سيعلنه رئيس الوزراء عما ستقرره الوزارة في الأسبوع الأخير من رمضان بخصوص الحجر الصحي.

العيد على الأبواب وأطرف شريط فيديو شاهدته كان لعضو كنيست إسرائيلي يرد فيه على أسئلة صحافي عربي حول الكورونا، وكان يتحدث بالعربية، ووجه نظره أن الكورونا في إسرائيل لعبة سياسية بين رئيس الوزراء والسيد (غانس؟) لتشكيل الحكومة، فالكورونا مثل “الايبولا” موجودة في بلدان محددة وهي غير موجودة في اليونان وإسرائيل ومصر. إنها كذبة ويجب ألا تتعطل الحياة في الدولة، تماما كما لم تتعطل الحياة عندما كان “الايبولا” منتشرا في افريقيا.

اليوم انشغلت بقصتين قرأتهما في كتاب معين بسيسو “دفاتر فلسطينية” هما

– تحول من تحسن إليه إلى جاسوس ومخبر يتعقب أخبارك.

– اختطاف القوات الإسرائيلية الشيوعي علي عاشور من غزة في إحدى غاراتها على القطاع وإعادته إلى حيفا، وفي حيفا أطلق سراحه وصار كاتبا في جريدة الحزب الشيوعي الإسرائيلي (راكاح).

في أزمنة الاحتلال والكورونا والفقر والجهل والهزيمة تتراجع القيم الأخلاقية وتصبح الفضيلة الأولى هي أن نبقى على قيد الحياة حتى لو تجسسنا على بعضنا.

يكتب معين بسيسو إن العائلة اللاجئة التي وقف هو وأسرته إلى جانبها، فأطعموها وأووها، كان ربها قد تحول إلى مخبر قاد قوات المباحث إلى بيت معين لاعتقاله.

“والحقيقة أن النذالة لا دين لها”، وما حدث مع معين يحدث الآن أيضا.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0 0
عادل الاسطة
أستاذ دكتور متقاعد، كان يعمل في قسم اللغة العربية بجامعة النجاح الوطنية في فلسطين منذ 2002م، وحاصل على درجة الدكتوراه في الأدب العربي من جامعة بامبرغ/المانيا في العام 1991م، يكتب في الأدب في مواقع مختلفة، وله زاوية أسبوعية في جريدة الايام الفلسطينية منذ تأسيسها. صدر له 14 كتابا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.