أدب و تراث مختارات مقالات نصوص أدبية

يا سيّدَ الحكايا المُخمليّة

يا سيّدَ الحكايا المُخمليّة
سلام لكوثرِ مبسَمكَ الذي لم يزل يجري

بقلم/ أ. أمل يونس

يا سيّدَ الحكايا المُخمليّة، سلام لكوثرِ مبسَمكَ الذي لم يزل يجري…

ثلاث مرّات أراكَ في منامي خلال شهر ونصف، مرّتان في ليالي رمضان النورانية، وأنت الذي غادرتَ منذ وقتٍ طويل، ما يزيد عن اثني عشر عامًا…

ثلاث مرات، كلّ مرّة أرى ذات الابتسامة البهية، التي تزيد وجهك المشرق نورًا، لكن ليلة أمس رأيتك تبتسم بلذاذة المرح، كنت تحمل كتابًا للمرحلة الإعدادية كما اعتقدت أنا، سألتك حينها بدهشة: أتعرف أن تقرأ!! ابتسمت حينها، وأنت تجيبني بجملة: نعم أقرأ، “اليوم الأولاد بيقدموا الامتحانات على الكمبيوتر والجوال ” قبل هذه الإجابة كنت تقرأ من الكتاب جملة: ويستفيد التعليم من الوسائط المتعددة..

دهشتي أنك كنت تقرأ، ومعرفتي بك أنك لا تجيد الكتابة والقراءة، نعم، أذكرها تلك الأيام يا ناصع القلب، ونقي الأمنيات، حين كنت تجلس تحت شجرة البرتقال مقابل بيتنا، فإن رأيتني أنا وأخواتي، ناديتنا: “تعالوا يا سيدي”. جلسنا حول القمر، الذي لم نعهد عليه سوى بياض روحه، كرمه اللامتناهي، ضحكاته الهادئة… تسألنا ككلّ مرّة: كيف المدرسة معكم؟ الحمد لله يا سيدي، فتجيب: “بعرفكم، بنات يونس شاطرات، ودايما من الأوائل…” ثم تتنهد تنهيدة طويلة محشوة بالحسرة قبل أن تنفث بعض كلماتها قائلا: “سيدي نفسي أقرأ وأكتب، لمّا بشوف الرجال بالمسجد حاملين المصحف بيقرؤوا بتفرّ الدمعة من عيني، نفسي أقرأ بالمصحف متلهم…” أرد أنا وأختي، ولم نكن نتجاوز المرحلة الابتدائية بعد، ممكن نعلمك يا سيدي الحروف، سهلة، نجيب دفتر نعلمك؟ يردّ القمر المُقفل على ذاته، وهو يحبس دمعة تزاحم عينيه: “لا يا سيدي، خلّي دفاتركم إلكم” ويخرج النقود من جيبه قائلا: “روحي اشتري دفتر وقلم ومحاية من الدكان”. أرد: لكن يا سيدي عنا دفاتر كتير.. فيقول: “اسمعي الكلام، دفاتركم لمدارسكم، بعدين جيبي بالباقي حلو…”

أعود بالدفتر والقلم، أسطر الدفتر أربعة أقسام عمودية، أكتب فيها على الترتيب: أ، ب، ت، ث، ثم أشرح له عن كل حرف، يكتب الصفحة وقبل أن ينهي يقول: “خلص يا سيدي، ما بينفع، بعد ما شاب ودوا الكُتّاب، وتدمع عيناه…” كانت تتكرر هذه الحادثة دومّا حتى المرحلة الإعدادية، ثم لم يعد يسألنا عن تعلم الكتابة بعد ذلك.

ورغم أنه كان في عمر_ ربما_ بداية الخمسين، عاش بعدها حتى التسعين تقريبا. كان حلمه أن يتعلم الكتابة والقراءة، كم رفرف قلبي سعادة حين رأيته في المنام يقرأ ويبتسم… جدّي كان من زمن النبلاء، الذين يغدقون بسخاء، ويعرفون الله في كل أمور حياتهم، أذكره وهو يهرول تجاه المسجد، والذي كان قريبًا علينا لا يبعد عن بيتنا، كان يترك عمله في الأرض، يتوضأ، فيسمع الإقامة، فيهرول، وهو يرتب عمامته مع هرولته على عجل، ورغم صغر سنّي، كنت أسائل نفسي: لماذا يركض جدي على الرغم من كبر سنه، والشباب يتأخرون عن المسجد ولا يهتمون!! كان نشيطًا، خفيف الحركة، بهي الطلّة، رقيق القلب، عذب المبسم، واسع الصدر، شغوفًا بالعلم، في كل مرّة كنّا نحصل على المراتب الأولى حين نأتي بشهاداتنا يقول:”بتستاهلوا، تعالوا لتاخدوا شوية قروش…” ويغدق علينا… اشتقتك يا جدي، اشتقت كلّ الذكريات معك، كل الشجرات التي كنا نجلس في ظلها معك، اشتقت أصالتك، حرصك، محبتك لأرضك، همّتك، اشتقت يدك التي كانت تحبّ أن تصنع كل شيء بنفسها، وكانت كثيرة الحنوّ على غيرها…

سلام لروحك المرفرفة في سمائنا رغم سنوات الغياب القديمة… رحمك الله رحمة واسعة، أسأل الرحمن لك الفردوس الأعلى، لعلك حققت مناك هناك.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.