ادارة و اقتصاد سياسة مختارات مقالات

الشيكات المرتجعة .. الكارثة والفرصة

كتب محمد الرجوب:

حوالي نصف مليون شيك، تمت إعادتها في الأسابيع العشرة الأخيرة لأسباب مختلفة، منها ظروف قاهرة بعد توقف معظم الأعمال والانشطة الاقتصادية، ومنها استغلال غير اخلاقي للتسهيلات التي أعلنتها سلطة النقد عشية اتخاذ قرار بالحجر المنزلي الإجباري لكل أفراد المجتمع. وكل ورقة شيك هي قضية نزاع قانوني أو شخصي أو عشائري، ما لم تتم تسويتها بين مُصدِرُها والمستفيد منها.

والعودة التدريجية للحياة الطبيعية لن تمنع كرة الثلج من التدحرج، لأن فرصة تحصيل الشيكات اللاحقة، تعتمد على نسبة التحصيل من الشيكات السابقة، وبالتالي نحن أمام كارثة اقتصادية واجتماعية لا يعلم مداها إلا الله.

صحيح أن السبب الأول والمركزي لهذه الكارثة هو ظرف قاهر، إلا أن جذورها تعود إلى سلسلة من الثغرات في سياسة منح الشيكات، وهي ثغرات تأخرت سلطة النقد طوال السنوات الماضية في معالجتها رغم خطورتها، ومنها عدم تحديد سقف أعلى لقيمة الشيك بما يتناسب مع دخل صاحبه، وعدم التشدد في سقف عدد أوراق الشيكات الممنوحة، والامتناع عن تحديد ضوابط لتجيير الشيكات.

وخلال السنوات الأخيرة كان للشيكات دور أساسي في تحريك الدورة الاقتصادية، وساعدت الكثير من الأشخاص غير القادرين على الاقتراض من البنوك، وفكت أزمات آخرين، ولكن أيضا تم استغلالها في عمليات مراباة غير مشروعة من خلال (التكييش)، كما أن هناك عديمي ضمير ورطوا زوجاتهم بكتابة شيكات بأسمائهن وفروا من البلاد. والشيكات هي المتهم الأول بتعزيز ثقافة الاستهلاك بما يفوق الحاجة والقدرة.

وحقق بعض التجار أرباحا طائلة من خلال رفع أسعار البيع بالتقسيط بواسطة الشيكات، وانتشرت مقولة (أولها شيك وآخرها شيك)، وكان استخدام التهديد بالحبس ناجعا في تحصيل قيمة الشيكات المرتجعة اذا امتنع اصحابها عن تسويتها مع المستفيدين منها وهو ما فتح شهية التجار أكثر وأكثر.

لكن ما بعد الجائحة لن يكون كما قبلها في هذا الأمر، ولن يكون الجهاز القضائي المختنق اصلا، قادرا على التعامل مع الكم الهائل من الشيكات المعادة، كما أن الشرطة لن تستطيع أن تحبس آلاف المدينين غير القادرين على السداد. باختصار: وقعت الفاس بالراس.

رغم الكارثة هناك فرصة، فشهية التجار لقبول الشكيات أصبحت شبه معدومة، ولكن هذا لا يكفي، والأولى أن تقوم سلطة النقد فورا بتقنين منح الشيكات للأفراد والشركات وفق ضوابط مشددة، وتحديد السقف الأعلى لكل ورقة شيك، ومنع تجييرها إلا في حالات استثنائية. وسيكون وقع ذلك ثقيلا على السوق الذي أَدْمَن الدفع الآجل، وستبقى السيارات مكدسة في معارضها، وقد نشهد عروضات غير مسبوقة على بيع الأدوات الكهربائية والمفروشات وغيرها.

إذا كان الفطام مؤلما للرضيع، لكنه شر لا بد منه لنقله من مرحلة إلى أخرى، فإن الانتقال من سياسة الدفع الآجل في ظل حالة اللايقين التي نعيشها على كافة المستويات، إلى واقع جديد عنوانه (فراشك على قد رجليك) سيكون مؤلما للسوق ولكنه ضروري لتحقيق الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي على المدى البعيد.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.