دين فكر مختارات مقالات

رحلة بين الشك والكفر والإيمان !

كتب عبد الله أبو شرخ:

في الحقيقة أن هذا المقال قد يمثّل نوعاً من السيرة الذاتية .. فحسب تخصص الرياضيات محظور على عقلي تصديق أي قضية إلا إذا تمت البرهنة علي صحتها بالدليل والحجة والمنطق السوي .. أما فيلسوف الشك رينيه ديكارت (مبتكر الهندسة التحليلية) فقد شدد على ضرورة ألا يصدق المرء أمرا إلا إذا كان بالبداهة كذلك ! والبداهة هي الفطرة السوية التي تقوم على المنطق .. فمثلا جملة (الطاولة فوق الكتاب) تعاكس الفطرة والبداهة المنطقية التي تفترض أن الكتاب فوق الطاولة !

لكن مبدأ الشك وطلب البرهان هما مبدآن أساسيان في القرآن حيث لا يخفاكم حوار النبي إبراهيم – ع – مع الله عندما طلب منه أن يريه كيف يحيى الموتى، فسأله أولا تؤمن يا إبراهيم ؟ فقال بلى ولكن ليطمئن قلبي .. وفي موقف قرآني آخر (قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين) !

سأعترف إذن – من باب الأمانة والنزاهة – أن تكويني العقلي المبني دوما على طلب البرهان قد شكل أمامي معضلة في تصديق بعض الأمور الخارقة للمألوف .. وهنا دخلت ولسنوات طويلة مرحلة عدم الإيمان بالعجزات، فاتجهت إلى علوم الفلك والفيزياء وأكملت ماجستير في الرياضيات التطبيقية وما زلت لم أنل الشهادة لسبب واحد .. وهو أن ثمنها 6 آلاف دولار .. ثم أكملت دراسة دكتوراة بالمراسلة في فقه ابن رشد من جامعة أمريكية تبين أنها غير رسمية .. كل هذا ليس جوهريا ولا مهما بقدر أنني أفدت من قراءة عشرات الكتب وهي الذخيرة المعرفية والثقافية التي أستمد منها بعض العلم وهو يظل علما قليلا لو قارناه بما يعرفه خبراء الذكاء الاصطناعي وتكنولوجيا النانو هذه الأيام !

رحلتي مع الفلك والفيزياء لم تكن سهلة .. لكنها انتهت عند آخر ما توصل له العلامة ستيفن هوكنغ قبل موته عندما أكد أن الكون وجد من العدم بسبب الجاذبية .. هههه .. ثم بدأت مراجعة كل ما تراكم في عقلي من خرافات الملحدين عن أصل الكون ونشأة الحياة على الأرض وخرافة التفاعل الكيميائي الذي أنتج كائنا وحيد الخلية وهذا الكائن تطور عبر ملايين السنوات إلى جميع أشكال الحياة على الكوكب .. لكن البداهة التي شدد عليها ديكارت ومن قبل طلب البرهان الذي أورده القرآن، يؤكدان أن قبول وتصديق عملية تطور خلية واحدة بسيطة إلى كائنات معقدة كالثديات بكل ما تحتويه من أجهزة لضخ الدم وتنظيم السكر وهضم وتكسير البروتين والأخطر من هذا كله وجود الجهاز العصبي “الدماغ” ..
ماذا تفعل خرافات من هذا القبيل في عقل علمي مؤسس على البرهان بالدليل والحجة؟

العدم الذي جاء منه الكون غير مقنع ولا بديهي ويتعارض مع مباديء المنطق .. وعند مراجعة تاريخ الآلهة عبر العصور السحيقة وصولا إلى القرآن .. سنجد أن الله في القرآن هو أرقى مفهوم مجرد خال من التجسيد المادي الذي تميزت به المعتقدات البشرية القديمة .. كان يجب أن يكون الإله مجسما، مرئيا، مثل الإله (إيل) عند الكنعانيين، وهو حيوان يظهر في قمم الجبال والسهول أيام الربيع فاعتبروه دليلا على الخير والخصاب ! وبالمثل سادت معتقدات ألوهية الشمس والقمر والنجوم والكواكب فقط لأنها مرئية بالعين المجردة، فكما قلنا كانت البشرية تعيش مرحلة الطفولة، والطفل كما نعلم لا يفهم ولا يستوعب إلا بالمحسوس والمرئي !

لكن عندما جاء القرآن أصبح الله مجردا من كل الصفات المادية والمرئية وازداد غموضا وجلالا في قوله تعالى للنبي – ص – ( قل هو الله أحد / الله الصمد / لم يلد ولم يولد / ولم يكن له كفوا أحد) .. ولأن تفكيري هذه الأيام مشغولا بعالمية الإسلام للتقريب بين الشعوب ونبذ التعصب والكراهية .. فلا ضير من تحليل إله التوارة الذي تكون من إلهين أو أكثر .. الأول هو “إيل” وهو مسروق من معتقدات الكنعانيين .. أما الثاني فهو ( يهوه / ياهو ) .. ولكن حتى آلهة التوراة فيها تجسيد مادي للإله، وقد ورد في التوراة (وسمع آدم صوت الرب ماشيا في الجنة) وفي التوارة أيضا (إن الله خلق آدم على صورته) أما في الإنجيل فقد نحتاج إلى مجلدات كثيرة لكي نقتنع بأن الله والروح القدس ويسوع هي ثلاث صور لله الواحد .. ويكفي وجود يسوع كجزء من الثالوث لكي نضع المعتقد المسيحي مع ما سبقه من معتقدات التجسيد المادي المحسوس للإله، ذلك لكي يتفوق المعتقد الإسلامي بوجود إله غير محسوس ولا مرئي ولا مجسم بل أحد صمد لم يلد ولم يولد .. قمة التجريد وقمة الرقي في شدة الغموض وهو ما يقنع أكثر علماء الفيزياء والفلك ا!

الخطاب الديني السائد في عصر الظلام الحالي، يعتمد عدم مطالعة الكتب الأخرى بمعنى أنه يعتمد على الجهل وعدم تدبر القرآن امتثالا لأمر الله .. فلدينا دجالي الفضائيات الذين ربحوا الملايين من خلال تسليتهم للجهلة أمثال الحويني وحسان وقرضاوي والعوضي والقرني وعمرو خالد صاحب دعاية الدجاج الإسلامي !

جهل الدعاة وكذبهم وقلة ثقافتهم العلمية شجعت الملحدين على اتخاذ خطابهم دليلا على بطلان الإسلام وهذا خطأ فادح، فكل الفقه والتفسير هو جهود بشرية لا يجوز أن يحتكرها شخص بدعوى التخصص في الدين !

أما كتب التراث والسيرة بالذات، فقد امتلأت بروايات اليهودي ابن اسحق وهو المصدر الأساسي لسيرة بن هشام حيث أوردت كتب السيرة كلها رواية مذبحة بني قريضة وقصة النبي – ص – مع صفية بنت حي بن أخطب بعد قتل أبيها وأخيها وزوجها، وهي رواية إسرئيلية كاذبة نقلها ابن هشام عن ابن اسحق، وعن ابن هشام نسخ ونقل ابن سعد والذهبي والطبراني وابن كثير وإلخ.

لقد أوردت كتب التراث كثيرا من الحوادث التي تتعارض مع صريح القرآن، منها ما أورده البخاري من أحاديث عن النبي – ص – أن الشمس تغرب بين قرني شيطان وقد أورد تفسير الزمخشري أن الأرض محمولة على قرني ثور وعندما يهز الثور رأسه تحدث الزلازل !!!
الخلاصة:

1- أن القرآن الكريم قدم أرقى مفهوم تجريدي لخالق الكون عبر التاريخ والعصور . (تبارك الله أحسن الخالقين).\

2- كتب التراث أوردت ما تنفر منه الفطرة ولا يتقبلها العقل بل وتتناقض مع القرآن الكريم.

3- جهل الدعاة وقلة اطلاعهم وتخلف خطابهم سبب آخر لزيادة نفور الشباب من الدين.

4- المتامل للخطاب القرآني يلاحظ بسهولة أن تعبير (رب العالمين / رب الناس) هو خطاب عالمي لجميع الأمم والشعوب.

5- حق الإيمان أو الكفر مكفولان في العديد من الآيات القرآنية مثل (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر).

6- أن الدين واحد لكن الشريعة تختلف من معتقد لآخر، وأن دولة الرسول – ص – في المدينة كانت دولة مدنية ( ولكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ) .. أي اليهود يحتكمون لشريعتهم وكذلك النصارى والصابئة والمجوس بل وحتى الذين أشركوا لأن الفصل بينهم هو شأن رباني مؤجل ليوم الحساب العظيم ولا شأن للبشر به.

7- أن الله قد خلق البشر أمما وشعوبا مختلفة لكي يتعارفوا وليس لكي يكرهوا أو يتقاتلوا .. وأن فضيلة الكرم هي أكبر دليل على تقوى الله .. ” إن أكرمكم عند الله أتقاكم”.
اللهم أقل من هفواتي وارزقني من أمري رشدا ويسر لي ما استعصى على فهمي .. اللهم آمين

Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.