سياسة مختارات مقالات

ثلاث وقفات في ذكرى النكبة

الوقفة الأولى …

بقلم الدكتور/ جمال السقلان

هذه متعلقة بالفشل الاستراتيجي للحركة الصهيونية، ولمعرفة الفشل علينا استكناه الهدف الصهيوني أساساً وطريقة تسويق “شرعية” الاحتلال للرأي العام العالمي؛ الخطاب الاعلامي الذي استخدمته بريطانيا بالشراكة مع الحركة الصهيونية كان – ولا يزال – مستنداً بالأساس الى فكرة تبخيس عدد سكان فلسطين وتبخيس عدد اللاجئين الفلسطينيين الذين اقتلعوا من أراضيهم وبيوتهم ووطنهم، مقابل هذا كان يتم المبالغة في عدد المستعمرين اليهود الذين استُقدِموا لفلسطين بشتى الطرق – وهي بالمطلق طرق غير مشروعة، الفكرة هنا في هذا الخطاب الاستعماري هي محاولة التقليل من السخط العالمي والعربي تجاه الجريمة التي تمت، فالأمر حسب هذه الدعاية سيكون أن عدداً قليلاً من المتضررين الفلسطينيين يقابلهم عدد كبير من المستفيدين اليهود المظلومين الذين تم استقدامهم لفلسطين هرباً من الاضطهاد النازي.

لكن وبرغم كل ذلك فأقصى ما وصلت اليه محاولات التزوير من قبل الحركة الصهيونية وبريطانيا التي كانت تحاول ايجاد مبرر لتواطؤها الفاضح مع العصابات الصهيونية كان كالتالي: أنه وفي عام 1948كان هناك ما يقارب ال 500 الف مستَقدم يهودي في فلسطين مقابل 850 الف فلسطيني قد تم تهجيرهم وهو العدد الرسمي للاجئين الفلسطينيين الذين احصتهم وكالة الغوث فيما بعد، لكن برغم كل محاولات التبخيس والمبالغة في أرقام الفلسطينيين واليهود، على الترتيب، بقي عدد الفلسطينيين المهجرين هو الراجح.

والآن، وبعد 72 عاما من النكبة، وبعد ان استعملت الحركة الصهيونية العالمية والوكالة اليهودية وجميع اجهزة استخبارات الدول الاستعمارية ومن يدور في فلكها من حكومات وأنظمة عربية متواطئة كل نفوذ ممكن في سبيل استقدام يهود العالم لفلسطين، بقيت المعادلة لصالح الفلسطينيين، فلا يزال عدد الفلسطينيين المهجرين المنتشرين في أنحاء العالم أكبر بكثير من مجموع اليهود المستقدمين لفلسطين، وليس ذلك فحسب، بل إن عدد الفلسطينيين الذين يعيشون في فلسطين الآن لوحدهم (وهذا يشمل فلسطينيي الضفة وغزة والمحتل من أراضي 1948 فقط دون اولئك المشردين في أنحاء العالم ) أصبح مساوياًً لِ – أو يطغى على – عدد اليهود، هو مساويا لعدد اليهود في حالة اعتبار جميع المستوطنين يهوداً وفي حالة شمول أعداد المهاجرين اليهود لخارج فلسطين والذين يرفضون القدوم لفلسطين ولكنهم لا يزالون يحملون جوازات سفر اسرائيلية وهؤلاء يتم وصفهم في سجلات الإحصاء الصهيونية على انهم من “سكان اسرائيل”؛ وهو يطغى على عدد اليهود في حالة استثناء أي من المكونين التاليين من ضمن اعداد ما يسمى “السكان اليهود” لفلسطين؛

والمكون الأول من هؤلاء هم من غير اليهود الذين تم استقدامهم من بلدان الاتحاد السوفييتي في بداية التسعينيات واستمر استقدامهم لليوم (وهي فرصة بالمناسبة لمعرفة مدى ارتباط كل من غورباتشوف وشيفارنادزة وزير خارجيته ومن ثم رئيس جورجيا فيما بعد ويلتسين بالدوائر الصهيونية، وكذلك على نحو أقل ارتباط بوتين الذي عزز من ارتباط اليهود الروس بما يسمى باسرائيل بطريقة اقل ما يقال فيها انها تدلل على براغماتية موغلة في الانتهازية وتحقيق المصالح الشخصية وليس مصالح روسيا)،

أما المكون الثاني فيعود للذين هاجروا هجرة عكسية من الكيان المحتل الى الخارج وهم في حكم المستقرين في بلدانهم لكنهم رغم ذلك لا يزالون مشمولين بالإحصاءات الرسمية الاسرائيلية على انهم “اسرائيليون”.

لنعد لفكرتنا الأساسية، فلا استطاعت الصهيونية ومن ورائها من اقناع العالم بخلو فلسطين من شعب كبير يقطنها، ولا استطاعت اقناع العالم بأن اليهود بحاجة لوطن طالما ان عدد اليهود في الولايات المتحدة لوحدها بقي راجحا على، ويفوق، عددهم في فلسطين! ولو أحسن الفلسطينيون صنعاً، لقاموا بمراجعة الأرقام المنشورة عن أعداد اللاجئين عام 1948 وتقدير أعدادهم اليوم، في ظن الكاتب أن عدد اللاجئين الفلسطينيين لوحدهم يتعدى ال 12 مليون لاجىء فلسطيني (كنت قد كتبت سابقاً حول هذا الموضوع ولا أريد التكرار).

هذه وقفتنا الأولى، وبرغم محاولتي الاختصار لكن بقي المنشور طويلاً نسبيا، ولأن النكبة مستمرة، سأكتفي هنا بأول وقفة، وستتبع الوقفات الأخرى (وهي متعلقة بنسبة الأراضي المسربة لليهود وللحركة الصهيونية في فلسطين حتى عام 1948 وعلاقة ذلك بأحاديث ووقفات لم تنقطع حتى يومنا هذا، والثالثة تتعلق بالموقف من أول من خان بلده ووافق على التنازل – ولو بشكل مضلل وغير صريح – عن أي جزء من وطنه) في مقالات قادمة قريبة.

 

Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.