اجتماع مختارات مقالات

المؤسسات السجنية في المغرب

التدابير الإحترازية لحماية السجناء في ظل هشاشة البنية التحتية والاكتظاظ القاتل

بقلم: ابتسام هيشر – المغرب
أخصائية في العلوم السجنية والعلاج النفسي السلوكي وباحثة في السوسيولوجيا

مقدمة:

لقد عرفت المؤسسات السجنية في المغرب تطورا كبيرا في الآونة الأخيرة عما كانت عليه سابقا، سواء على مستوى النظام العقابي أو البنية التحتية،وذلك تماشيا مع متطلبات العصر والمنتظم الدولي، مع الإقرار العالمي لحقوق الانسان عامةوحقوق السجناء خاصة، بحيث لم يعد السجن مكانا لإيواء السجناء إلى حين تنفيد العقوبة عليهم بل أصبح هو في حد ذاته عقوبة سميت بالعقوبة السالبة للحرية، والتي تتحدد مدتها حسب نوع الجريمة وشدتها، وأصبحت هذه المؤسسات تسير بقانون منظم خاص بها قانون 23.98 وكذلك المرسوم التطبيقي رقم 2.00.485، والذي يحدد علاقات الفاعلين في الفضاء السجني ويقنن الإمكانيات المخولة للسجناء، ويعتبرهذا القانون قفزة نوعية في تاريخ السجون والذي جاء بعد حقبة زمنية تناهز 70 سنة والتي كان العمل فيها جاريا بقانون يعرف الكل الظروف التي صيغ فيها.

موقف المغرب من المواثيق الدولية

إن مصادقة المغرب على المواثيق الدولية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان ومناهضة التعذيب، كان خطوة أساسية في تفعيل حقوق السجناء والتي لا تقف العقوبة السالبة للحرية عائقا أمام التمتع بهذه الحقوق، التي يخولها القانون المنظم للسجون 23.98 وكذا القواعد النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء لنلسون مانديلا 1955 والتي تحمي المس بكرامة السجناء.

إن تحول المؤسسات السجنية اليوم من فضاءات للعقاب إلى فضاءات للإصلاح والتأهيل  والتهييئ لإعادة الإدماج للوقاية من حالة العود،أدى إلى بروز الحاجة المُلحة للتركيز على العنصر البشري المتخصص والمؤهل لبرمجة وصياغة وتقويم هذا التوجيه.

ففينومينولوجيا الإعتقال تجعل السجن يحتوي على أطراف عدة تسودها علاقات وتفاعلات قد تكون نتائجها متعارضة:

– الفئة الأولى هي فئة النزلاء.

– الفئة الثانية هي فئة المشرفين على المؤسسة السجنية من مراقبين وإداريين.

– الفئة الثالثة وهي فئة المختصين والكفاءات المهنية والعلمية التي تقوم بخدمات التأهيل وإعادة الإدماج والمواكبة النفسية للسجناء لتخطي صدمة الإعتقال وبعض الإضطرابات النفسية وحالات الإدمان بمختلف أنواعه.

قد يكون الهاجس الأمني بالنسبة للفئة الثانية -في بعض الحالات-عائقا أمام الفئة الثالثة في أداء مهامها التي تتمثل في التأهيل والتهييئ لإعادة الادماج فالعلاقات بين هذه الفئات لا تتميز بالوئام في معظم الحالات، وقد تكون الفئة الأولى عائقا أمام الفئة الثالثة للقيام بمهامها حين تكون المؤسسة السجنية تعاني من مشكلة الاكتضاظ وكذا هشاشة البنية التحتية وضعف التجهيزات.

واقع السجون بالمغرب

صار الاكتظاظ داخل المؤسسات السجنية المغربية يشكل اليوم معضلة حقيقية، حيث نلاحظ تزايد التقارير والدراسات التي تحذر من أخطاره على المعتقلين  وعلى وظائف المؤسسات السجنية بشكل عام، ويعتبر الإعتقال الإحتياطي سببا رئيسيافي زيادة نسبة الساكنة السجنية، حيت يقدر نسبة الإعتقال الإحتياطي مابين 40 و60 بالمائة من مجموع السجناء، مايفسر عدم نجاعة السياسة العقابية بالمغرب التي مازالت مترددة في تطبيق عقوبات بديلة للعقوبات السالبة للحرية، التي لا تكون حلا مناسبا في أغلب الأحيان، بل تكون بوابة نحو الإجرام المحترف ولتبني خطابات الكراهية والتطرف.

كشف التقرير السنوي للمرصد المغربي للسجون الصادر يوم 10 يوليوز 2019م؛ عن أرقام وإحصائيات صادمة بخصوص وضعية السجون والسجناء حيث تجاوز الاكتظاظ 205 بالمائة والإرتفاع الملحوظ في عدد المعتقلين بالمؤسسات السجنية 76 الموزعة على كافة ربوع المملكة، والذي تجاوز نهاية شهر دجنبر 2019 ما مجموعه 38486 سجين، ورغم العفو الملكي الصادربتاريخ 5 أبريل 2020 في حق 5654 سجينا، وذلك  لحماية السجناء من انتشار الفيروس التاجي إلا أن السجون المغربية مازالت تعرف اكتظاظا خطيرا.

تعاني أغلبية السجون المغربية –بجانب مشكلة الإكتظاظ- من هشاشة البنية التحتية المتهالكة والتي ترجع أغلبيتها إلى عهد الإستعمار أو ماقبل الإستعمار بفترة، والتي تشتملعلى أدنى شروط السلامة الصحية، فمثلا السجن المحلي بوجدة الذي ثم إغلاقه مأخرا يرجع تاريخ بنائه إلى 1910م؛ أي عمره اليوم 110 سنة، فالمتفحص إلى بنيته الخارجية المتآكلة ينتابه نوع من الخوف والهلع مابالك بظروف الإيواء بالمعقل الذي بالإضافة إلى البنية الهشة يعاني من اكتظاظ قاتل بسبب تزايد نسبة الإعتقال الإحتياطي بالمؤسسة الذي يشكل 80 بالمائة من مجموع السجناء.

وتشهد المؤسسة نقصاً واضحاً في عدد الموظفين، ولذلك كان واجبا على المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج إغلاقه منذ سنوات، حيث تمَّ اعتباره ولعقود من الزمن جحيما للسجناء لعدم استجابته للمعايير الدولية لحقوق الإنسان ولإفتقاره لشروط السلامة الصحية والكرامة،التي تعتبر حقا من حقوق السجناء الذي يكفلها القانون الوطني والدولي.

الحجر الصحي في السجون

ولأن الحجر الصحي أمر صعب وشاق على الأسر في منازلها حيت لا تتعدى الأسرة الواحدة 5 أو 6 أشخاص في المتوسط  يصعب ضبطهم، مابالك بمؤسسات سجنية مغلقة تعاني من الإكتظاظ ومن هشاشة البنية التحتية ومن سوء تدبير للفضاء السجني ومن ضعف الرعاية الصحية حيث المصحات الخاصة بالمؤسسات السجنية لا تتوفر على عدد كافي من الأسرة للمرضى وتعاني من قلة الأطر الصحية (أطباء وممرضين) والأخصائيين النفسين والإجتماعيين والقائمين على المراقبة،كما تعتبربيئةً خصبةً لإنتشار الأوبئة، خصوصاً وأن المساحة المخصصة لكل سجين لا تتعدي 1مترا واحدا في أحسن الظروف والتي لا تحترم مسافة الأمان.

هناك سجون؛ في  الغرفة الواحدة التي تبلغ مساحتها 40 متر مربع يتجاوز عدد السجناء بها 90 سجين، أي بمساحة لا تتعدى نصف متر لكل سجين مثال على ذلك السجن المحلي بإنزكان والسجن المحلي بوجدة الذي ثم إغلاقه حديثا دون سابق إعلام لذوي السجناء اللذين فوجئوا بترحيل أقاربهم من السجناء لسجون تبعد عن مدينة وجدة على الأقل ب 120 كم كسجن بوعرفة وزايو وسلوان والناظور وتاوريرت والائحة طويلة، دون الأخذ بعين الإعتبار ظروف عائلات السجناء.

ولتفادي خطاب التبخيس رغم كل هذا فالمندوبية العامة للإدارة السجون وإعادة الادماج ومنذ تفشي الوباء في بلادنا عملت على تطبيق التدابير اللإحترازية للحماية الساكنة السجنية من انتتشار الوباء وكذا توفير تغذية مناسبة نوعا ما عما كانت عليه قبل الحجر الصحي، كما أبدت رعاية خاصة بالفئات الهاشة من النساء الحوامل والمرضعات وكبار السن وعزل المرضى، وسهرت على تنظيف وتعقيم أماكن الإعتقال بصفة يومية ومستمرة، وكذا حماية موظفيها عبر العمل بنظام التناوب الذي يلزم عليهم البقاء داخل المؤسسات لمدة 15 يوما، وعملت المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الادماج على  تقليص زيارات السجناء إلى مرة واحدة في الشهر بالنسبة للعائلات التي تقطن في نفس المجال الجغرافي للمؤسسة السجنية بينما الأسر التي يبعد سكنها عن المؤسسة تكتفي ببعث حوالات بنكية لفائدة السجناء لتلبية حاجياتهم الأساسية داخل المؤسسة، كما أنها وبصفة استثنائية قد ضاعفت عدد مرات استفادة السجناء من إجراء مكالمات هاتفية مع ذويهم للإطمئنان عليهم.

الحديث في هذا الموضوع يجبرنا على الإشادة بالمبادرة التي قامت بها المندوبية العامة للإدارة السجون لتصنيع الكمامات من طرف السجناء بالسجن المركزي بالقنيطرة الذين أصبحوا قادرين على إنتاج 800 كمامة يوميا، وكذلك بلغ الإنتاجبالسجنين المحليين عين السبع 1 و2 ما يقارب2000 كمامة يوميا، ليصل عدد السجون المنخرطة اليوم في صناعة الكمامات الواقية 22 سجنا بأنحاء المملكة، وقد وصل معدل الكمامات المنتج يوميا الى 20 ألف، وتندرج هذه المبادرة في إطار إشراك الساكنة السجنية في مساعدة الدولة على مواجهة جائحة كورونا وقد خطى المغرب هذه الخطوة شأنه في ذلك شأن الجزائر وتونس وايطاليا واليابان.

وتندرج هذه المبادرة ضمن العمل الطوعي داخل المؤسسات السجنية الذي يعتبر آلية لتهييئ لإعادة الإدماج وإلى مابعد انقضاء مدة العقوبة ولتعويد النزلاء على الكسب الشريف عبر اكسابهم مهنة تساعدهم على الإنماج داخل المجتمع من جديد.

كلمة من القلب الى القلب

نتمنى من شغاف القلب أن تستمر هذه المباردة وتتطور حتى بعد انقضاء الجائحة وأن تستمر الدولة في إشراك السجناء في الشأن العام وفي مشاريع مذرة للدخل تساعدهم على تدبير احتياجاتهم الشخصية خلال فترة الاعتقال ولما لا مساعدة ذويهم ولإدخار القليل من المال قد ينفعهم بعد انقضاء فترة العقوبة.

كما ندعو الجهات المعنية لتخصيص ميزانية أكبر لإكمال بناء السجون الجديدة وترميم السجون المتهالكة لمحاربة اكتظاظ السجون الذي تنجم عنه ظواهر أخرى أكثر خطورة كالاغتصاب والشدود الجنسي والعنف والتطرف بالإضافة إلى تفشي الأمراض المعدية كالسل والسيدا والأمراض المتنقلة جنسيا والأمراض والتعفنات الجلدية.

وكذلك نوصي بتخصيص نصيب أكبر من مناصب الشغل لتدعيم الموارد البشرية للمندوبية التي تعرف خصاصا مهولا بمختلف المؤسسات السجنية وكذا مصالحها الجهوية والمركزية والتي تهم جميع الفئات، مراقب مربي، ضابط مربي، قائد مربي، قائد مربي ممتاز، وفي مختلف المهام سواء مهام الإدارة أو المراقبة أو التأهيل لإعادة الإدماج.

وأخيراً؛ لا يفوت أن نشير إلى العمل الذي يقوم به موظفوا المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج لحماية السجناء وكذا المجتمع، بإعتبارهم جنود الخفاء الحاضرين بقوة ضمن الصفوف الأمامية والذين يغامرون بسلامتهم غير متخلين عن دورهم-رغم كل الظروف التي يعرفها الجميع- طول ساعات العمل وخطورة الفضاء والرواتب الزهيدة الذي يتقاضاها الموظفون إضافة الى بطئ الترقي في السلم وقلة الزيادات في الرواتب والتعويض عن التنقل، فأغلب الموظفين لاتكفيهم رواتبهم مصروف 15 يوما أو أقل من ذلك،نتمنى أن تقدر الدولة وتثمن جهود موظفين السجون وتعمل على الزيادة في رواتبهم وتحسين أوضاعهم.

لكم أصدقائي وبكل صدق: نقول شكرا لكم على تفانيكم في خدمة الوطن دمتم رمزا للصمود.

مراجع:

إبتسام هيشر، تشغيل السجناء(دراسة ميدانية بالسجن المركزي بالقنيطرة)، أطروحة لنيل شهادة الماستر المتخصص شعبة علم الاجتماع، تخصص المؤسسة السجنية: الوقاية وإعادة الإدماج، 2018.

أحمد مفتاح البقالي، مؤسسة السجون بالمغرب، منشورات عكاط، الطبعة التانية الرباط، 1989.

عبد الرحيم العطري،المؤسسة العقابية بالمغرب، دار الكتاب بيروت، 2005.

علي محمد صالح الدباس وعلي عليان محمد ابو زيد، حقوق الإنسان وحرياته، دار الثقافة للنشر والتوزيع،2005.

محمد ازيزبي، واقع السجون المغربية وأهدافها الإصلاحية، مطابع إفريقيا الشرق الدار البيضاء، الطبعة الأولى 2006.

يوسف البحيري، حقوق الإنسان والحريات العامة (جدلية الكونية والخصوصية)، المطبعة والوراقة الوطنية مراكش، الطبعة الاولى 2015.

القانون المنظم للسجون في ضوء المعايير الدولية لمعاملة السجناء، منشورات المجلس الوطني لحقوق الانسان، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط، الطبعة الرابعة 2014.

واقع السجون بالمغرب (مقاربة تشخيصية)، منتدى الكرامة لحقوق الانسان، سلسلة وثائق المنتدى2، الطبعة الأولى 2016.

 

 

 

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
ابتسام هيشر
ا. ابتسام هيشر - المغرب؛ أخصائية في العلوم السجنية والعلاج النفسي السلوكي وباحثة في السوسيولوجيا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.