أدب و تراث مختارات مقالات

التنقيب في وقائع التنكيب

بقلم/ أ. عبد الله لحلوح

ربَّما لم يَعُد هناكَ كثيرٌ من النساء والرجال في فلسطين من الذين عاشوا النكبة بكل طقوسها، وربَّما مَنْ كُتِبَت لهم الحياة حتى اللحظة كانوا صغارَ السنِّ وقتها، إلا أنه وبعد اثنين وسبعين عامًا من المذبحة، ما زلنا نسمعُ في كلِّ مناسبةٍ قريبةٍ أو بعيدةٍ قصصًا مرعبةً عن وقائع النكبة، وما مارَسَهُ المحتلُّ الإسرائيلي من تنكيبٍ مُتتالٍ للشعب الفلسطيني، وقد كتب عن تلك الوقائع أدباء فلسطين وغيرهم، فقد أطال غسان كنفاني الحديث عن تلك الظروف، وسميرة عزام، ومحمود درويش، وإلياس خوري، وكلُّ ما كتبوه لا يختلف إلا في الشكل، فالمضامين ظلت تقريبًا وحدها في معظم أعمالهم؛ فالنكبةُ هي النكبة، والمذبحةُ هي الصورةُ المرسومةُ بالدم، والعابرون في كلامٍ عابرٍ إلى الهواء الفلسطيني، هم المارقون على رصيف الحياة والتاريخ، هم جلادو الطفولة، وفاتحو القرى التي فَرَّ أَهلُها العُزَّلُ من كلِّ شيءٍ إلا من الإيمان اليقيني بأنهم راجعون، وتمددت الأيام والشهور والسنون، ليجدوا أنفسهم يسبحونَ على قمم الجليلِ التي نقلتهم إلى منافي اللجوء، فغدت الخيامُ صديقتهم الأولى، وأصبحت بطاقاتُ الوكالةِ الدوليةِ رفيقتهم في محنتهم، وصار الوطنُ ذكرى عزيزةً تمرُّ في أحلامهم، وأصبحت فلسطين الأغنيةَ الأولى على ألسنتهم، وراحَ الرواةُ والقصاصون والشعراءُ يخيطونَ عباءةَ الذاكرة، ويرممون ثقوبها بما تيسَّر لهم من وعيِ النكبة ووحي اللجوء.

لقد تشابهت ظروف النكبة التي جثمت على صدر الذاكرة الفلسطينية، فالأمُّ التي فرَّت من اللِّد حاملةً ثلاثين ربيعًا من السعادة هناك، تتركُ زوجها ذبيحًا تحتَ تعريشةِ البيت القديم، وتفقدُ ابنها البكرَ في الطريق بعد أن فجَّرَتْ دماغَهُ شظيةُ قذيفةٍ مسعورة، ليزورها المخاضُ تحتَ شجرةِ زيتونٍ، وهناك تولدُ الثنائيات، الحياة والموت في لحظةٍ واحدة، يخرجُ الطفلُ إلى الحياة، وتخرج الأمُّ من الحياة، ويتعلَّمُ الرضيع كيف يمتصُّ أثداءً جافَّةً لا لبن فيها، ليقول لقنّاصي الطيور المهاجرة:

“ها قدْ رَضِعْنا المِلْحَ من ثَدْيِ النَّجاة، إنَّا خُلِقْنا قبْلَكُم، ولَقَدْ ورثْنا الأرْضَ يا ضدَّ الحياة”.

وتمتدُّ المشاهدُ، وتتكرر الصور، وتتكاثر الحلقات، والمُخْرِجُ هو ذلك اللعين الغريب عن التراب والهواء، الجائع المنتشر كالجراد في فيافي البلاد، يرى في مدافعِه مدامع الأطفال، فيكتبُ سيرتَه النتنةَ بالدم والدمع معًا، ويحاولُ أن يكون الراوي والرواية، والممثل للضحية، وأمامَ تراجعِ الجيوش وانكسارها، وتخاذلِ الأخ والصديق، وتخلّي الحبيب والقريب، بدأت الروايةُ الصهيوأمريكية تنمو، وراحت النكبات تتوالى، حتى غدت النكبة الأولى بدايةً لعهدٍ من النكبات، وكأنَّ أولئك الأغيارَ قد درسوا فقهَ التنكيب في صوامعِ الموت، ورفضوا أن يظلوا تحت صورة “ضحايا المحرقة” فقرروا أن يكونوا هم المحرقة بحد ذاتها، وأن يجعلوا من عظام الفلسطينيين حطبًا لها، ومن جلود الأطفال زيتًا يوقدُ جهنَّمَ الأرض.

إنَّ الذاكرةَ الفلسطينيةَ لمليئةٌ بالصور المرعبة، محشوَّةٌ بالحزنِ والأسى، فلقدْ استوعبَت سنواتٍ من الحنين والأنين، وما زالت الطريقُ إلى فلسطين ملغومةً بالوعود التي لا تنفجر، وما زالت نشرات الأخبار تعيدُ سيرتها الأولى، وما زال العالمُ يتطوَّرُ ماديًّا، ويتراجعُ أخلاقيًّا، لتظلَّ هذه الطفلةُ المكويةُ الشفاه تبكي وحدها، إلا أنَّ الثابتَ الوحيدَ الذي ما زال قابضًا على جمر الحكاية، هو ذلك الوليدُ الفلسطينيُّ الذي خرجَ من رحم النكبة، واختبر المنافي والخيام، وأَلَّفَ من وقع المطرِ على ألواح الزينكو أعذب الألحان، هو ذلك الأبُ الذي دفن ابنه تحتَ شجرة لوزٍ، في ليلةٍ قمراء، بعد أن كان يظنُّ أنَّ الموتَ لا يكمُنُ في طرُقِ الأطفال، هو ذلك الشعبُ الذي يعرفُ الشياطين التي تجعل من طفلٍ نبيًّا، هو ذلك الشعب الذي تُرتِّلُ صباياهُ أهزوجةَ الخروجِ المؤقت على قمم الجليل، وهنَّ يتراقصنَ على زهر الأقحوان، يغتسلنَ بالندى، ويقلْن فارسُنا الحصانُ على القصيدةِ لا سقوط ولا ضياع.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.