مقالات

قصة الأديان وإيمان العجائز

بقلم أ. محمد عبد العاطي – مصر

قصة الأديان هذه قصة خطيرة سواء دخلت فيها كقارئ لا يهمه غير الفهم أو كباحث عن معتقد تتبناه، أو من باب الفضول ومقارنة ما عندك بما عند الآخرين.

حينما تتوغل في القراءة تجد نفسك أمام قصص وحكايات وأساطير وسرديات ومرويات وأمور تختلط فيها الحقيقة بالخيال، والعقل بالعاطفة، والمعلومة بالرجاء، وغير ذلك من كل صنف ولون، مما يصعب عليك كقارئ الخروج منه بشيء أو التوصل إلى شيء. وتتساءل: أين الحقيقة فيما أقرأ؟ بل ما معنى الحقيقة أساسا وهل بإمكان أحد أن يصل إليها؟ ولماذا هي عصيّة على الفهم هكذا؟ لماذا كل شيء فيما أقرأ ملغز ومحير؟

الله الذي لم يره أحد، يتحدث عنه أناس اشتهروا بوصف الأنبياء والمرسلين، قالوا لأتباعهم: إن إلهنا المختفي يبلغكم بكيت وكيت، وإن عليكم أن تصدقوا ما نقول لكم وإلا فالويل والثبور وعظائم الأمور. ثم يموت هؤلاء ويتركون وراءهم كلمات منسوبة لإلهم، يدونها أتباعهم ويتناقلونها جيلا بعد جيل، والويل لمن يشكك في صدقية تلك المنقولات، أو يحاول أن يفسر الغامض فيها على غير مراد السائد من تفسيرات الذين تعهدوا بحراستها.

هذا إذا كنت قارئا، أما إن كنت باحثا عن دين ومعتقد تتبناه فإنك ستقع في ورطة لن تخرج منها. إذا دخلت من باب دين معين فلن تخرج منه بسهولة. بل إن بعض الأديان تقتل من يحاول الخروج من بابها، وإذا ما سئل وهو يهمُّ بالخروج: لمَ تريد الخروج؟ وأجاب: إنني لم أقتنع، ولم أجد في الداخل ما كنت أبحث عنه. هنالك يقتلونه، أو على أقل تقدير يقتلونه أدبيا باتهامه بالكفر والهرطقة والزندقة. وحينما يحاول أن يناقشهم يقولون له: إن الدين ليس لعبة تلعب بها وقتما تشاء وتتركها وقتما تشاء، لقد كان عندك الوقت للتفكير وأنت على البر. وحينما يقول لهم: إنه كان لابد أن أدخل حتى أرى ما بالداخل وأعيش معه لكي أعرفه عن قرب. يقولون: دعك من هذا الجدل وعد إلى دينك ودين آبائك وإلا استعد للقتل.

أما إن تعاملَ القارئ مع قصة الأديان من باب الفضول ومقارنة ما عنده بما عند الغير فسيجد أنه كذلك في ورطة ما بعدها ورطة، ذلك لأنه سيفضِّل بعض ما عنده ويتمسك به، وفي نفس الوقت لن يفضل البعض الآخر ويود أن يتخلص منه. وهنا سيأتي حراس البوابة الدينية ويقولون: قف عندك، إما أن تأخذ الدين كله أو تتركه كله، نحن لسنا باعة تجزئة.. واحذر فإنك إن تركته فمصيرك معروف؛ إما الموت الجسدي أو المعنوي بالتجريس وتشويه السمعة الذي حدثناك عنه.

لهذا فإن قصة الأديان كما قلت قصة خطيرة، والأفضل أن يتبع المرء نهج تلك المرأة العجوز التي قال عمر بن الخطاب عنها ذات مرة: وددت لو رُزقت إيمانا كإيمان العجائز.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.