دين مختارات مقالات

توحيد الألوهية والربوبية في سورة الكهف

بقلم ا. محمد عبد العاطي – مصر

تتوسط هذه السورة القرآن الكريم، إذ تقع في الجزء الخامس عشر من أصل ثلاثين جزءا يتكون منها المصحف الشريف. وتتحدث عن جملة من المفاهيم يخدمها بعض القصص والأحداث، وسوف أركز في هذه المقالة على مفهوم واحد استهلت به السورة آياتها، واستعانت في تأكيده بثلاث قصص، وهو مفهوم التوحيد؛ توحيد الألوهية (الله المعبود) وتوحيد الربوبية (الله الرازق).

بدأت السورة بتقرير حقيقة يجب أن تستقر في قلوب وعقول المسلمين الذين يقرأون أو يستمعون إلى هذا القرآن، وفق مراد الله، وهي أنه سبحانه وتعالى قد أنزل هذا الكتاب على عبده وأنه مستقيم في مفاهيمه لا عوج فيها ولا التواء ولا شذوذ ولا انحراف: (الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا) (١)

وأن المطلوب بناءً على هذه الحقيقة أن يتلوا النبي محمد والمؤمنون به هذا الكتاب الإلهي المصدر، والالتزام بما جاء فيه من وصايا، والتوكل على قائله (الخالق جلَّ وعلا) فهو الملجأ والمُحْتَمى، وإن من يفعل ذلك فسيكون له من أمره رشدا.

وقد استعانت السورة في تبيان وتأكيد وترسيخ هذا المفهوم التوحيدي بثلاث قصص على النحو التالي:

القصة الأولى، وقد جاءت سريعة ومختصرة، قصة الذين نسبوا لله ولدا، وكيف أنهم كذبوا على ربهم، وأنه، بكذبتهم هذه سينالوا ما يستحقونه، لأن الأصل في التصور والمعتقد هو أن الله واحد لا زوج ولا ولد له:

(وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا، ما لهم به من علم ولا لآبائهم، كبرت كلمة تخرج من أفواههم، إن يقولون إلا كذبا)( ٤ ، ٥ ).

والقصة الثانية، قصة الفتية والملك الذي كان يلاحقهم ليثنيهم عن دينهم وليعاقبهم لأنهم دعوا إلى دين غير دينه، والذين أدخلهم الله كهفا بعيدا عن الأنظار أنامهم فيه سنين عددا ثم بعثهم ليأخذ الناس من مرآهم العبرة، ويتأكد لهم أن الله الواحد هو المستحق للعبادة وليس أي إله آخر من الآلهة المنتشرة في ذلك العصر ومنها الإله الذي كانت عبادته سائدة قبل أن ينام الفتية ( ٣٠٩ عاما )، وبعد أن تحققت الدلالة بالإنامة ثم بالإيقاظ أماتهم الله موتا طبيعا، ودفنهم أهل البلدة الذين اطلعوا على حالهم، واتعظوا بما حل بهم:

(إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى، وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض لن ندعوا من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا، هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة، لولا يأتون عليهم بسلطان بيّن، فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا) ( ١٣ ، ١٤ ، ١٥ ). ويلاحظ تكرار كلمة كذبا في القصتين اللتين استعانت بهما السورة لتأكيد مفهوم توحيد الإله؛ الأولى في وصف الذين قالوا اتخذ الله ولدا، والثانية في وصف القوم الذين عاش وسطهم فتية أهل الكهف والذين اتخذوا من دون الله آلهة متعددة.

وتعلّق السورة على قصة فتية الكهف بإعادة التذكير بما بدأت به وهو أن المفاهيم العقائدية في القرآن لا عوج فيها، وأن الخير للرسول ولأتباعه إنما في تلاوته والعمل به والحذر من تعلق القلب بالدنيا وزينتها: (واتل ما أوحي إليك من كتاب ربك) ، فكلماته غير قابلة للتبديل والتحريف (لا مبدّل لكلماته) ولن يجد المؤمن به غير طريقه وحصنه وحظيرته ملاذا وملجأً (ولن تجد من دونه مُلتحدا) (٢٧).

ويا محمد فقد (أعثرنا عليهم [الفتية] ليعلموا أن وعد الله حق ) (٢١) ، ولهذا: ( اذكر ربك إذا نسيت وقل عسى أن يهديني ربي لأقرب من هذا [حالة التكذيب بك وبدينك والتضييق عليك] رشدا ) (٢٤)

والقصة الثالثة والأخيرة التي نختم بها، و التي استعانت بها السورة لتثبيت مفهوم التوحيد؛ توحيد الربوبية، وعدم الاتكال إلا على هذا الإله الواحد، وليس على مُتَكَلٍ سواه من مال أو جاه، هي قصة الرجل ذي الجنتين.

كانت لهذا الرجل حديقتان (جنتان) كبيرتان مليئتان بالثمر والنخل والزرع وبينهما نهر ترتويان منه، ودخل حديقتيه يوما ودار بينه وبين رجل آخر هذا الحوار:

قال صاحب الحديقتين للآخر مفتخرا بما عنده: (أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا) (٣٤) (وما أظن أن تبيد هذه أبدا) (٣٥) ، فرد عليه المحاور مستنكرا ما سمع وموضحاً له أصل خِلْقته وكيف أنه وُلِد بلا حول ولا قوة إلا بالله: (أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا) (٣٧) ثم ذكّره بالتوحيد الذي سيقت القصة كسابقتيها للتأكيد عليه (لكنّا هو الله ربي ولا أشرك بربي أحدا، ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا فوة إلا بالله) ( ٣٨ ، ٣٩ ).

وتوضح السردية أن ثمر الحديقتين قد فسد وأن صاحبها قد أصبح (يقلب كفيه على ما أنفق فيها وهي خاوية على عروشها ويقول يا ليتني “لم أشرك بربي أحدا”) (٤٢).

فالمفهوم الأول إذن الذي أرادت سورة الكهف التأكيد عليه وترسيخه في عقول وقلوب القراء هو مفهوم توحيد الألوهية والربوبية، وقد استعانت، كما هي عادة بقية سور القرآن، بالقصص لتبيان المقصود بهذا المفهوم، وجزاء من يؤمن به، وعاقبة من يُنكره.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
محمد عبد العاطي
محمد عبد العاطي؛ باحث متخصص في مقارنة الأديان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.