سياسة مختارات مقالات

كم نكبة علينا أن نعيش؟!

بقلم/ د. أحمد دلول

ربما يجول في خاطر أحدنا سلسلة ذكريات النكبة التي نحييها بكافة الأشكال والوسائل كل عام في مختلف المحافل حول ما هي النكبة الحقيقية التي نحن بالفعل نعيشها، فقد مررنا بانتفاضات وحروب ومواجهات واجتياحات وقرارات تأتي وتذهب صافعة النكبة الأولى لحظة الهجرة، ونحن لا زلنا نبكي هذا اليوم الماضي ونحييه بآلامنا، الممزوجة بآمال عابرة لحظة يوم الإحياء السنوي، دون أي تخطيط عملي واقعي لما يجب أن تكون عليه الأجيال نحو التحرير.

ما حدث في عام 1948 لم يكن النكبة الأولى التي حلَّت بالفلسطينيين رغم فظاعة الحدث الذي ترتب عليه سرقة 77% من أرض فلسطين الانتدابية بالحديد والنار، بجانب تهجير ثلثي الشعب الفلسطيني إلى خارج مكان إقامته. لقد عاشت فلسطين جملة من التغيرات المأساوية خلال القرن العشرين؛ كوثيقة بلفور والانتداب البريطاني على فلسطين والالتفاف على الثورة الفلسطينية الكبرى عندما توسط 4 حكام عرب لتهدئة الأمور خدمةً للسلطات البريطانية، وكذلك قرار تقسيم فلسطين. وقائمة النكبات تطول.

كنتُ ضيفاً على إذاعة الرأي الحكومية في ذكرى النكبة عام 2016م بجانب مجموعة من النخب الفكرية، وأذكر أنَّ مقدم البرنامج قد اتهمني بالتشاؤم، وذلك لأنني قدَّمتُ رداً حول نهاية الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية، وقد قلتُ في حينه بأنَّ الفلسطينيين لم يعملون بشكلٍ كافٍ لإنهاء الاحتلال، وأنَّ جهودهم مبعثرة ولا يمكن تجميعها إلا ضمن رؤية صحيحة لمشروع وطني فلسطيني، وأنَّ نهاية الاحتلال ليست في المدى المنظور طالما أنَّنا لم نعمل وفق خطة تحرير واضحة.

أذكرُ أن المُحاور ازداد احباطاً عندما سألني عن مدى التعويل على البعد العسكري لدينا، فأجبته في حينه بأنَّ الاعتماد بالكامل على البعد العسكري ليس في صالحنا وليس ذا جدوى في ظل اختلال موازين القوى لصالح الاحتلال، وأنَّنا قد نكون بحاجة إلى مقاومة سلمية ودبلوماسية أكثر من حاجتنا للعمل العسكري خلال السنوات العشر القادمة على الأقل، كما أنَّ بناء المجتمع الفلسطيني المتماسك يسهم في خلخلة الاحتلال أكثر من القوة العسكرية.
كان اللقاء المشار إليه في 15 أيار/مايو 2016م، وبعدها شهدت القضية الفلسطينية انتكاسات مختلفة، فقد تمَّ إعلان نقل السفارة الأمريكية إلى القدس في 2018م، وتسعى أمريكا لشرعنة ضم أجزاء من الضفة الغربية لدولة الاحتلال، كما أوقفت الإدارة الأمريكية دعمها لمؤسسة أونروا، وأوقفت دعمها لموازنة السلطة الفلسطينية وصارت تشرف وتصرف على تمويل الأجهزة الأمنية بنفسها.

لقد تعلمنا من التاريخ أنَّ الامبراطوريات تتفكك من الداخل، وهذا بالضبط ما سيحدث مع إسرائيل رغم امتلاكها قدرات تكنولوجية كبيرة، فهي أشبه ببيت العنكبوت، وهي مجتمع متباين لأبعد الحدود، ويسيطر اليهود الأوروبيون على صناعة القرار ومقدرات الدولة فيها. كما تعلمنا من التاريخ أنَّ إقامة أية دولة يحتاج إلى العمل في ثلاثة مسارات متكاملة؛ السياسي والعسكري والمعرفي، وهذا تماماً ما عملت إسرائيل على تحقيقه قبل 15 أيار/مايو 1948م، ولعلنا قرأنا في كتب التاريخ عن الجهود السياسية والعسكرية والمعرفية للصهاينة قبل بدء موجات الهجرة إلى فلسطين سنة 1882م.

من البديهي أن نتساءل: ماذا أنجزنا نحن كفلسطينيين من المسارات الثلاثة سابقة الذكر؟ لقد فشلنا في تعبئة شعبنا بشكلٍ كافٍ حول قضيته، وما زلنا نتداول معلوماتٍ مغلوطةً حول قضيتنا، لدرجة أن الكثيرين منَّا لا يفرِّق بين فلسطين الانتدابية والتاريخ، ولم نتمكن من بناء مؤسسات الدولة التي تكرر ذكرها مئات المرات على لسان سلام فياض ومن خلفه في الحكومة وتبيَّن أنَّ كلها مسميات كرتونية، في حين أنَّ أجهزتها العسكرية قامت على عقيدة قتالية لا علاقة لها بالقضية الفلسطينية، بجانب أنَّ الأجنحة العسكرية الفلسطينية تحتاج إلى جهود كبيرة لصهرها في جيش فلسطين.

تتحمل “القيادة” الفلسطينية الجزء الأكبر من المسئولية عن انتكاسات القضية، ونشير بأصابع الاتهام إلى القيادة على وجه التحديد لأنَّها وقفت سداً منيعاً أمام تطلعات الشعب الفلسطيني نحو الحرية والاستقلال من خلال التنسيق الأمني الذي قدَّم خدمات جليلة لسلطات الاحتلال. لقد أسهمت القيادة في تعزيز الانقسام بين غزة والضفة، وأسهمت في تفسُّخ المجتمع الفلسطيني، وجعلت منه مجتمعاً استهلاكياً.

لنتخيل جميعاً عندما هدد الرئيس محمد عباس منذ سنوات بوقف التنسيق الأمني، كما هدد بإعادة النظر في كل الاتفاقيات الموقعة مع الاحتلال الإسرائيلي في حال نقل السفارة الأمريكية إلى القدس 2018 أو ضم أجزاء من الضفة الغربية إلى الاحتلال 2020م، لكن في نفس الوقت يؤكد على أنَّ يديه ممدودتان للسلام، وهنا مفارقة غريبة، فكيف لقيادة شعب محتل تمد يدها للسلام مع سلطة احتلال تمارس سياسات مصادرة الأرض الفلسطينية؟! ليس هذا فحسب؛ بل ذهبت القيادة الفلسطينية لاقتراض مبلغ 800 مليون شيكل من الاحتلال الإسرائيلي.

من الواضح جداً أن النكبة مستمرة، وأن انتكاسات القضية الفلسطينية متواصلة طالما بقي النظام السياسي الفلسطيني منقسماً على نفسه في ظل التزام شرائح مجتمعة مختلفة صمت القبور.

إذا كانت القيادة الفلسطينية حريصة على حفظ ما تبقَّى من القضية الفلسطينية فعليها الإنهاء الفوري للانقسام السياسي، وترميم ما ترتب عليه، والمساهمة في صياغة مشروع تحرر وطني فلسطيني يعتمد على المقاومة بكل أشكالها، وإنهاء التنسيق الأمني، وإنهاء الدور الوظيفي للسلطة، وإعادة النظر في كل الاتفاقيات الموقعة مع الاحتلال الإسرائيلي بشكل يعبِّر عن طموحات وتطلعات الشعب الفلسطينية، بجانب فك التبعية السياسية والاقتصادية والأمنية للسلطة الفلسطينية مع الاحتلال.. وهنا يجب أن تتذكر القيادة أن مشروع التحرير يختلف بشكل كامل عن مشاريع الاسترزاق والكسب.

 

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.