سياسة مختارات مقالات

نحو اجتماع ما يسمى “الإطار القيادي”

بقلم أ. عدلي صادق

لن يمثل الإجتماع الذي دعا اليه عباس يوم السبت المقبل في رام الله؛ علامة فارقة بين سياق عقيم وآخر إيجابي، لأن شكل وفحوى هكذا اجتماعات، لن يُنتج سوى المزيد من العجز والتفرد والعُقم. ومن عين الصواب، عدم التماشي مع الدعوة اليه، لأنه لا يجري في إطار بُنية مؤسسية، ولا يضبطه نظام داخلي مُلزم، ولا تصويت فيه، ولا يشهد نقاشاً فيه الحد الأدنى من الحرية والموضوعية. فإن كانت اجتماعات المجلسين الوطني والمركزي لمنظمة التحرير، بكل أكلافها وضجيجها، وما اتخذته من قرارات، ظلت مجرد جلسات لا قيمة لها، وقراراتها حبر على ورق، فما الذي سيكون حال اجتماع، يجلس عباس على رأسه متقمصاً إهاب الديك، فيقاطع وقتما يريد، ويزجر من يريد، ويبوبخ صاحب كل ذي رأي لا يعجبه، والمشهد كله يكون تحت قبضة الإحتلال، الذي سيتلقى بث الوقائع الهواء مباشرة!

كانت الفصائل التي تحضر هذا النمط الفارغ من الإجتماعات، ملومة على حضورها، على الأقل، لأنها تشارك في توفير الغطاء لعملية إقصاء السياسة عن المجتمع، ومعاملة القوى السياسية باعتبارها راضخة ومهددة بقطع مخصصاتها. وحتى اجتماع “الإطار القيادي” الذي تدعو اليه حماس والجبهة الشعبية، ونؤيد انعقاده، لن يكون بديلاً ما لم تُعتمد لائحته الداخلية، التي تجعل قراراته ملزمة. فقد جرى اختراعه لكي يوفر حيثية أو شيئاً من الإمتلاء، في الفراغ ولم يجر تفعيله.

ثم إن اجتماع عباس، لا يشارك فيه ممثلو الفصائل الوازنة في المجتمع.فهؤلاء لا يستطيعون الوصول الى “المقاطعة”، ويظل هدفه ينحصر في إصدار بيان يفيد أن عباس جمع ممثلي الشعب الفلسطيني وأدى الواجب.

هذا الأسلوب، هو أدنى بكثير من مستوى الأداء السياسي، للجمعيات الفلسطينية الإجتماعية والثقافية، في بلادنا، في العام 1918عندما لم يكن لدينا كيان سياسي أو منظمة تحرير.

اليوم لدينا قوة احتلال استجمعت كل متطرفيها لكي تنفذ عملية ضم الأراضي في الضفة، ومعها إدارة أمريكية مفرغة من العقل ومن العلم بالتاريخ والسياسة، وتمثل كتلة من الشر والعنصرية والإستهتار بالعالم. لذا فإن الأجدر بنا أن نجمع اشتاتنا. لكن الذي يجري للأسف، أن عباس ومن يجتمعون معه ومن يعارضونه، اختاروا أن أن يظلوا بلا كيان ذي محددات نظامية أو ذي بنية، بينما شعب فلسطين، يرابط على أرضه، ويكابد الشقاء والعوز!

النقطة الإيجابية وسط هذا الركام، أن شعبنا ـ بالمعيار التاريخي ـ لم يفقد أوراقه المؤثرة. فضم الأراضي، مع بقائنا تحت الإحتلال، يعطينا العزم على إعادة المعادلة الطبيعية الى وضعها المؤرق للاحتلال: شعب على أرضه، له حقوق سياسية، في الإستقلال والحرية والعدالة، وهذه الحقوق منصوص عليها في القرارات الأممية، لكن قوة الإحتلال تمارس القتل والعدوان على مدار الساعة، وتُعيد إحياء نظام الفصل العنصري، وتحافظ على الإحتلال العسكري الوحيد التي تبقى في العالم.

إن ما يشوش على هذه المعادلة، هو وجود سلطة هكذا ممارساتها، وهكذا اجتماعاتها، وبلا بُنية نظامية وبلا دستور، يقودها فرد ويتمسك بقيادتها، حتى عندما أعجزته شيخوخته عن التفكير، وأصبح خاضعاً لتلقين الحلقة الضيقة، وبات كل ما يفعله بمساعدة هذه الحلقة، هو طي كل أنواع المقاومة وتكريس الرضوخ الذي عاشه شعب جنوب إفريقيا، عندما غزا الهولنديون بلاده في منتصف القرن السابع عشر، ثم جاء البريطانيون في العام 1806 ليؤسسوا جمهوريتهم العنصرية المقيتة على أرضه، ويحكموا أهل البلاد بالحديد والنار. إن مثل هذا الوضع، هو الأنسب والأوجب في ثقافة دونالد ترامب ومساعديه. لكن الأنسب والأوجب والمؤكد، في سنن التاريخ، أن مثل هذه الممارسات والدول والتجارب، لن تدوم، وعندما تطوي راياتها الخسيسة، وتغادر مهزومة وفي خزي، تلاحقها اللعنات وتتحول الى نقطة سوداء في تاريخ شعوبها وأديانها. أما المتخاذلون والمتواطئون المحليون، فإنهم إما يلوذون بالفرار غير مأسوف على سحناتهم، أو يعيشون في بلادهم أذلاء ويؤخذون عبرة لمن يعتبر.

Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.