سياسة مختارات مقالات

الهوية المصرية الحديثة: محطات التشكُّل وملامح التغيُّر

كيف تشكلت الهوية لمصر المصرية؟

بقلم أ. محمد عبد العاطي

بفضل ثورة ١٩ وشعار مصر للمصريين (لا للترك ولا للشركس ولا للأرمن ولا للإنجليز) اكتسبت مصر شخصيتها الحديثة، وبنى المصريون علاقتهم البينية على مفهوم المواطنة، وتوارت في المقابل المفاهيم الدينية التي كانت تميز بين الناس بناء على الدين والمذهب والمعتقد، وتنظر للآخر من عدسة الإيمان والكفر، التوحيد والشرك.

وخلال الفترة من ١٩١٩ حتى ١٩٢٨ كان الدين مسألة فردية وليس شأنا مجتمعيًّا، إلى أن نشأت جماعة الإخوان المسلمين آخذة على عاتقها مهمة استعادة الخلافة الإسلامية التي أنهى العمل بها مصطفى أتاتورك عام ١٩٢٤، وتأكيدها على دور الهوية الإسلامية -التي ظنت أنها مهددة- في التخلص من الاحتلال بل وجمح بها الخيال لتضع هدفا أسمته أستاذية العالم ضمن أهدافها التي تسعى إليها.

هنا؛ كان نشوء الإخوان وخطابهم المتداوَل خصما من رصيد المفاهيم التي أسستها ثورة ١٩ وتبنتها الليبرالية المصرية فكريًّا وحزب الوفد سياسيًّا.

واستمر الشرخ المفاهيمي يتصاعد ثم وصل إلى ذروته بالصدام الكبير بين نظام الرئيس عبد الناصر والإخوان ودخول الأخيرين السجن، وهناك، وتحت أقبيته، تناسلت مفاهيم أكثر راديكالية من مسألة الهوية الإسلامية، فظهرت دعوات تكفير النظام وضرورة تأسيس الدولة الإسلامية وتطبيق الشريعة الإسلامية والقول إن المنوط بهم ذلك هو جيل مسلم جديد، أطلقوا عليه جيل الصحوة؛ من سماته أنه يحمل الإسلام شكلا وجوهرا، فبدأنا نرى الجلباب والخمار والسواك والمصاحف في الجيوب وفي وسائل المواصلات، وانتشرت أشرطة وجدي غنيم وعائض القرني ومحمد قطب، وساعد عقدي السبعينات والثمانيات والنصف الأول من التسعينات على تعميق تلك المظاهر، بالتزامن مع تشجيع غير مباشر من الولايات المتحدة والأنظمة المتحالفة معها في مصر والسعودية على التطوع فيما سُمي بالجهاد الأفغاني، وظهرت أشرطة فيديو لعبد الله عزام وأفلام تدعي نزول الملائكة تحارب مع المجاهدين العرب والأفغان، وبالتوازي غض نظام السادات ومبارك الطرف عن النشاط السياسي للإخوان فدخلوا البرلمان ونشطوا في النقابات، ونافسهم في الخطاب الديني التيار السلفي برموزه الموالين للسعودية.

وكان طبيعيا أن يشهد الوسط المسيحي رد فعل في الاتجاه المعاكس. فحينما رأى شرائح في المجتمع تتجه نحو تعريف نفسها وتمييز هويتها على أساس ديني بهذا الشكل، نشط هو أيضا في تمييز هويته المسيحية، وساعد على ذلك بروز شخصية بمواصفات خاصة كشخصية الأنبا شنوده الثالث، الذي استمرت هيمنته على الكنيسة والأقباط لأكثر من أربعين عاما، نشأت فيها أجيال تسمّت بأسماء ما كان يعرفها المصريون من قبل مثل مايكل وبيتر وجوزيف، ودقّت الصليب وشماً على وريد المعصم، وانتظمت في تنظيمات كنسية ذات أنشطة تعليمية وتثقيفية وترفيهية وفنية لدرجة أن أصبح مجتمع الكنيسة يكاد يكون بديلا عن المجتمع العام.

أي بعبارة أخرى، رفع المصريون المسلمون حول أنفسهم سورا عاليا ووضعوا عليه لافتة مكتوب عليها الهوية الإسلامية، ورفع المصريون المسيحيون سورا في المقابل حول أنفسهم وعلقوا عليه لافتة مكتوب عليها الهوية المسيحية.. وتقزّمت الهوية المصرية الجامعة البعيدة عن تلك المفاهيم الدينية المتضخمة والمتورمة.

الآن، وبعد إخفاق الربيع العربي ضُربت الأسس الفكرية لمشروع الإسلام السياسي في مقتل، وتقوّض البنيان المفاهيمي لهذا التيار، بل تصدعت مكانة الدين نفسه ولم يعد مركزيًّا -في تقديري- عند المجتمع وهو يفكر في الخلاص من ربقة الفساد والاستبداد والتخلف، فإن الأسوار سابقة الذكر بدأت في الضمور، بحسب ما أتابع وأتأمل من موقعي الوسطي بين المسلمين والمسيحيين في مصر.

صحيح إن الهوية الدينية بمعناها السياسي سابق الذكر قد بدأت في التراجع، لكن في المقابل لم يكن ذلك التراجع يصب في صالح الهوية المصرية الجامعة والمعتدلة والمتسامحة التي أسستها ثورة ١٩، لأن الندوب التي طالتها بحاجة إلى زمن أطول للالتئام من جهة، ولأن رموز الليبرالية المصرية الذين كانوا قادة الرأي العام في ذلك الزمن الجميل لم يعد لهم وجود الآن من جهة ثانية.. لهذا السبب وذاك، فإننا حاليًّا في مرحلةِ قديمٍ نتخلص منه وجديدٍ نبحث عنه.

وعلى كل حال، فإن ما نحن فيه الآن أفضل من صراع الهوية الدينية الإسلامية المسيحية سابق الذكر. والمخاض المفاهيمي الذي يشهده المجتمع الآن سيأخذ مداه وينتج لنا -بحسب رؤيتي للمستقبل- مجتمعا أقل تعصبا وأكثر تسامحا وأصدق تعبيرا عن القيم الإنسانية المشتركة.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.