مجتمع مختارات مقالات

لبرنامج همزة وصل على قناة الكوفية

قطع الصلة بين الصحة والطعام

 

بقلم/ أ. عدلي صادق

في شهر رمضان الكريم، ومع الإقتراب من العشر الأواخر، اتسعت دائرة البؤس المتفشي في قطاع غزة، لتشمل ما يزيد عن مليون إنسان، غرقوا في الفقر المدقع ونزلوا الى الصفر العددي في الدخل، وأصبحوا يفتشون عن الصدقة وعن تلك التي الرزمة من المساعدات الغذائية العينية، التي يسمونها “الكوبونة”.

أما العدد المتبقي من مجمل السكان، فلا زال يعيش بين الكفاف الذي تؤمّنه إما أنصاف وأرباع رواتب، أو تحويلات عائلية منتظمة ومتواضعة، في إطار التضامن الأسري وواجباته. وأصبح الماكثون في مستوى الكفاف هم العائلات المستورة. أما الذين غرقوا في البؤس وهبطوا الى الصفر وعز عليهم طعامهم، فلم يجدوا ما يساعدهم على المكابرة وإظهار السِتر، سوى الصدقات، بينما هم الأحرص على الغنى عن السؤال!

في هذه الأثناء، قيل في نبأ لوسائل الإعلام، إن الرئيس محمود عباس، راعي الرعية، قد “اطّلع على أحوال المصابين بفايروس كورونا في فلسطين، وعلى تطورات الأوضاع الصحية فيها”. وللأسف، لا يجد القاريء أو المستمع الى ذلك النبأ، ما يفيد حيثية الإطلاع على الأوضاع، إذ جاء في التفصيل أنه اتصل بوزيرة الصحة، بمعنى أنه استفسر، وربما كان الإستفسار عن معدلات التفشي، دون أدنى رغبة في الإطلاع على الأحوال الصحية للمواطنين.

ومن الطريف، أن الوسائل الفلسطينية المعارضة، سبقت الموالية، في نشر الخبر ذي العنوان المخادع. فالنفاق والتسحيج بكل أهدافه وخلفياته الملغمة والمعقدة، يجعل الإستفسار عبر مكالمة قصيرة، مكرمة رئاسية، وإطلاعاً ميدانياً على الأحوال تجشمه عباس، مع احتمال أن يكون قد مر، بشجاعة، على الحرم الإبراهيمي المهدد بالتهويد الكامل، ثم حذت حذوه لجنته المركزية الفصيحة!

يبدو أن عباس، في صحواته الذهنية القصيرة، بين المرسوم والمرسوم، لا ينعم بصحوة ضمير. فقد نسي تماماً أن هناك علاقة أزلية بين الصحة والطعام، وأن هذه العلاقة أوثق من علاقة الداء بالدواء. فهو رجل متسبب في منظومة متكاملة من الجوائح على كل مستوى، اجتماعي وسياسي وقانوني، وجاءت كورونا إضافة نوعية، تكشف جريمة التغاضي عن علاقة الصحة والمناعة بالطعام ومقتضيات الوقاية. ولنفترض أن عباس، لم يكن يختم حياته بالكبائر، سنلاحظ باندهاش، أن أولاده اصحاب الملايين الكثيرة (دون الدخول في جدال التقديرات) يظهرون بزهو، في مواسم المطربة أحلام، ويختفون بنذالة، في أوقات الكوارث، علماً بأن أشد الأثرياء طمعاً ولؤماً، يفتقد الفقراء في الشهر الفضيل، ويتقرب اليهم لضمان سير أموره على مايرام، مثلما تفعل الراقصات عندما يُقمن موائد الرحمن.

والأنكى من ذلك، أن الرجل وحلقته الضيقة، فوق كل ما يفعلون، وبالإضافة الى كل عوراتهم، تراهم يهجمون على الآخرين، وقد تسمع منهم في زمن البؤس الفلسطيني، والفساد وإنكار كل واجبات العمل العام والمصائب الكبرى، أن دحلان ضبط متلبساً في محاولة انقلاب في نيجيريا. فالمهم عند هذه الزمرة، هو أولاً حرف أنظار الناس عن أفعالهم، والتشويش على مقاصد الخير لدى من ظلوا على وفائهم لشعبهم ومجتمعهم، ويحاولون قدر ما يستطيعون، توفير شيء من التكافل.

إن شعبنا ـ وبخاصة في غزة ـ في حال كَربْ غير مسبوق في تاريخ منطقة طويت تحت رمالها حضارات قامت حضارات، ورويت أرضها بدماء طاهرة على مر مراحل الزمن، بينما راعي الرعية ومن يلقنونه أوصلوا الناس للقناعة بأن الإحتلال أفضل لهم، على الأقل لأنهم يعرفون كيف يقاومونه وكيف يعيشون. أما قاطعو الصلة بين الطعام والصحة، فلا يُعرف الطريق إلى محاسبتهم، ما لم تقع الزلازل.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.