دراسات وأبحاث سياسة مختارات مقالات

الأزمة القطرية بين صمود قطر وتراجع الدول المقاطعة لها

بقلم/ د. نبيلة بن يوسف  – الجزائر

تعتبر دولة قطر إحدى أهم الدول الخليجية (مطلة على بحر الخليج وذات حدود مع دول خليجية: السعودية والإمارات والبحرين)، تحصلت على استقلالها عام 1971 بعد أن وقعت تحت الحماية البريطانية عام 1916 عقب سقوط الرجل المريض أثناء الحرب العالمية الثانية. ويعتمد نظام الحكم فيها على الشكل الوراثي في اعتلاء سدة الحكم.

إن كانت دولة قطر صغيرة المساحة وقليلة السكان إلا أن تأثيرها وقوتها منذ نهاية القرن العشرين لا يستهان بهما على المستوى الاقليمي، بعد بداية تدخلها في عدد من المسائل السياسية الإقليمية، لمّا سمحت في حرب الخليج الثانية عام 1990 لقوات التحالف الانطلاق من أراضيها ثم في جعل أراضيها انطلاقة لصواريخ أمريكا نحو العراق عام 2003، وأضحى فيها أكبر قاعدة عسكرية أمريكية في الخليج العربي، ووصل تدخلها معية الحلف الأطلسي إلى ليبيا في 2011، واستمر تدخلها في عديد من القضايا السياسية، منها في جملة من الوساطات الدبلوماسية.

وإن التزمت قطر (ظاهريا) بسياسة “تصفير المشاكل” مع دول الجوار حتى تكسب صداقة دائمة معها ولا تكسر حبل التكامل الاقتصادي الخليجي المنشود، إلا أنها وجدت نفسها في أزمة وصفت بالدبلوماسية ولم تكن هي الأولى من نوعها بل سبقتها أخرى عام 2014م، لما سحبت بعض الدول الخليجية سفرائها من قطر لعدم التزامها بما جاء في اتفاق الرياض عام 2013 في اطار مجلس التعاون الخليجي والاتفاق التكميلي آليات تنفيذه عام 2014.

 جذور الأزمة القطرية الخليجية:

أــ الأسباب المباشرة:

قررت دول عربية مقاطعة قطر دبلوماسيا ثم اقتصاديا في الخامس من جوان 2017م، وهي على التوالي؛ المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والبحرين ومصر واليمن، إضافة إلى جزر القمر وجزر المالديف، وتبعتها دول أخرى في تخفيض التمثيل الديبلوماسي لديها مثل ما فعلت المملكة الاردنية وموريتانيا وجيبوتي وحكومة الشرق الليبي (طبرق) والسنغال أيضا. ناهيك عن طرد المقيمين القطرين في السعودية والبحرين والإمارات ومصر وأمدتهم بمهلة قصيرة، ثم قرروا إعلان حصار الجوي والبري على قطر.

الاتهامات التي طالت قطر حتى يحدث ذلك الانسحاب الدبلوماسي جاءت فيما يلي؛

ــ دعمها لتنظيمات ارهابية في إطار تأجيج الصراعات الداخلية والفتن في بعض الدول منها سوريا وليبيا واليمن، وبالتالي تورطها في زعزعة السلم والأمن الدوليين.

ــ اعتبارها مقرا للإرهابيين ” الملاذ الآمن” من خلال السماح لهم باللجوء عندها.

ــ دعم سياسة ايران في المنطقة وذلك ما يؤرق بالدرجة الأولى السعودية والبحرين والسنة في العراق.

تلك الاتهامات تأكدت من خلال تصريحات أمير قطر “تميم بن حمد آل الثاني” (أمير قطر الثامن) على وكالة الأنباء القطرية المعلنة في 24 ماي 2017م، في انتقاده “للمشاعر المعادية لإيران”، إضافة إلى التصريحات المتضمنة للتأييد الايراني فقد أيدت حركة حماس الفلسطينية وحزب الله اللبناني وإسرائيل (علما أن قطر سبقت لفتح مكتب تمثيل تجاري لإسرائيل فيها ورفضت غلقه أثناء انتفاضة الأقصى الشهيرة عام 2000)[1]! وهي تأيدات توحي بنوعية السياسة الخارجية التي تسير عليها. وإن تسارع القادة القطريين إلى نفي وتكذيب التصريحات وإرجاعها إلى القرصنة الالكترونية في إطار اختراق فادح لوكالة الأنباء،…، لكن الدول الغاضبة أصرت المقاطعة بعد اتصال الأمير تميم بالرئيس الايراني “حسن روحاني”.

ب ـ الأسباب العميقة:

ــ ضخت قطر أموالا ضخمة لبعض المليشيات المسلحة المعارضة في سوريا (تحرير الشام وأحرار الشام الاسلامية)، وإلى ميليشيات شيعية في العراق وكانت الأخيرة ـحسبها ــ نظيرة فدية لتحرير رهائن قطريين تم اختطافهم في جنوب العراق من طرف حركة شيعية. أثار هذا العمل حفيظة السعودية والإمارات العربية.

ــ تعرض قناة الجزيرة الاعلامية القطرية ـــ أطلقت عام 1996 بعد اعتلاء “حمد بن خليفة آل الثاني” الحكم اثر عزله لوالده “انقلاب داخل القصر” ــ إلى هجوم الكتروني شرس مس جميع منصاتها. ولا يمكن الحديث عن قطر بإغفال الدور الإعلامي التي تلعبه قناة الجزيرة في المحفل السياسي الديبلوماسي القطري مساهمة في رفع شأن قطر السياسي في المنطقة بل في العالم ترويجا لقوة الدولة الصغيرة، بل وفي المحفل السياسي العربي والإسلامي بشكل عام. ولانتقادها لحريات الرأي ولسياسات القادة والملوك والأمراء، وقضايا الانسان في المنطقة، طلب منها مرارا إغلاق هذه القناة الاعلامية. كما أقلقت الغرب على رأسها أمريكا في تبيان الجزيرة لعمليات التقتيل والدمار في أفغانستان ثم العراق. وزاد قلق وغضب الدول العربية مما تبثه القناة بعد انطلاق أحداث الربيع العربي 2011 في تعاطفها مع المتظاهرين، وخافت الملوك والأمراء على مماليكها وسلطانها، وحوّلت القضية لمساس بسيادتها.

وفي بثها للأخبار يعتقد أنها تميل ميلا واضحا إلى تنظيمات معارضة في المنطقة لاسيما تلك التنظيمات الإسلامية المسلحة منها أو غير المسلحة.

واعتبار القناة الاعلامية الجزيرة سببا غير مباشرا في حملاتها الاعلامية الطويلة والتي ترى فيها الدول الغاضبة سياسة اعلامية عدائية.

انطلقت ضد القناة أصواتا معادية ونقاشات حول ما جاء في تصريح الشيخ تميم من خلال قواعد إعلامية معروفة وتعد المنافسة لقناة الجزيرة منها قناة العربية، وكانت بداية شرارة الأزمة السياسية بين قطر ودول الخليج بالدرجة الأولى (السعودية والإمارات والبحرين) ودول أخرى منها مصر والولايات المتحدة من جهة أخرى.

امتداد الازمة:

استمرت الأزمة القطرية ثلاث سنوات لغاية ماي 2020، ولم تجد لها حلا رغم محاولات الانفراج واختفاء الهجمات الاعلامية المتبادلة، ومشاركة منتخبات دول الخليج في الألعاب الرياضية المقامة بقطر في إطار الكأس الخليجية لكرة القدم بعد أن قرروا قبلها المقاطعة.

انتظر المهتمين والمحللين السياسيين انفراج الأزمة خلال انعقاد القمة الخليجية في الرياض ( ديسمبر 2019 )، لكن تبخرت أحلام الصلح.

لحلحلة الأزمة القطرية كانت حلقات تواصل لاسيما بين قطر والسعودية لكن تتوقف ولا تجدي بنفع.

وإلى غاية كتابة هذا المقال (مايو 2020) لازالت قطر تسعى لإنهاء الحصار المفروض عليها في اطار حوار غير مشروط.

وفي ظل انتشار جائحة كورونا محاولات للتقارب … لكن تبدو أنها ضعيفة جدا.

للأزمة أثارا بالغة على نفسية شعوب المنطقة الخليجية أولا والعربية ثانيا، في وقت الحاجة الأكبر للتضامن والتكامل نجد الفتنة تقف حاجر عثر تزيد من تمكين الغير على كسرنا وتضليلنا وتفريقنا وغزونا ثقافيا واقتصاديا إلى حين سحقنا كليا.

صدمة الشعب القطري لما اضطر المقيمين في الدول الأربعة إلى طردهم بعد إمهالهم أسبوعين، وعادة هم من العاملين أو الطلاب في تلك الدول أو أسر مختلطة (أب قطري مقيم مع أم سعودية …) فحدث وإن افتكت العوائل، واقتطعت الأرزاق….

وعلى الاقتصاد القطري أثر سلبي إثر الأزمة المفاجئة والتي لم تكن على الحسبان، رغم اعتماد قطر الكبير على الاستثمار الغربي إلا أن الحصار المفروض عليها من الدول الأربعة أربكها وهدد اقتصادها حتى وإن كانت بنسب متوسطة، وزعزع هيبتها السياسية.

وإن استطاعت قطر التصدي للحصار المفروض عليها في مسألة تأمين الاكتفاء الذاتي لشعبها في حاجاته للغذاء والدواء لاسيما في ظل الوباء العالمي كوفيد 19.

أثارا سلبية على مستقبل مجلس التعاون الخليجي ومستقبل تكامله وصموده أمام تربص الأعداء به.

في الذكرى الثالثة لانطلاق شرارة الأزمة القطرية روجت مواقع التواصل الاجتماعي لانقلاب على القصر في الخامس ماي 2020 في قطر. وأكثر المواقع تداولا للحدث هي من السعودية. في حين اعتبرته قطر سياسة تحويل أنظار السعوديين إلى مسائل خارجية افتراضية بعد حالات الغبن التي سلط عليهم حين انخفاض أسعار النفط وتبعاته.

استمرار الحرب النفسية يزيد في أمد الأزمة وعمرها، ولأن العوامل المساعدة الخفية هي العاملة على اذكاءها لهيبها، فستستمر إلى أن تتحوّل تلك العوامل عن أهدافها بتحوّل مصالحها، ومن المفارقات العجيبة في عالم السياسية أن يصبح عدو الأمس صديق اليوم، وحينها ستجد الأطراف المعلنة للأزمة نفسها وحيدة ضاربة الأسداس في الأخماس. وحتى تتضح الصورة في ما أعنيه فإن الأطراف الأربعة (الرباعي العربي) المٌعلــِنة للأزمة تستند ــ في منظورها ــ على حائط متين لا يهزه ريح صرير وهو أمريكا، هذه الأخيرة التي تبدو في الظاهر صديقة قطر لكنها في الخفاء قد تتمنى إفقار قطر وإسكات صوتها، لكن ما إن تحتاج إليها فستجعل الآخرين يتراجعون ويرفعون الحصار، لست من المدافعين عن قطر ولا عن غيرها لكل سياسته وأهدافه ومصالحه ولعلم السياسة في شؤونه أحكام ومصالح.

ولما فهمت السياسة القطرية ذلك فهي تعمل جاهدة على التقرب وجذب أمريكا نحوها، والمتابع للمشهد السياسي فإنه يتوقع ذلك من خلال زيارة الشيخ تميم لها في النصف الثاني لعام 2019 وتقديم ضمانات وهبات وخدمات مجانية عبر القاعدة العسكرية في قطر”العديد”. وتصريح الرئيس الأمريكي في إطار حملته الانتخابية أنه حصل على صفقات مع قطر بقدر 85 مليار دولار مزيدا من تأكيد التقرب في ظرف الأزمة.

وراحت قطر في مساعيها لرفع الحصار ترسل مندوبا عنها لمجلس الامن في ظل الضرورة “وباء كورونا” وما يتطلبه الوضع من إمدادات الأدوية والمستلزمات الطبية، ونقل العالقين في المطارات الدولية.

ولعل الحال ذاته في السعودية التي سارعت هي الأخرى لمزيد كسب رضى أمريكا خوفا من أن تتخلى عنها وبالتالي ستجعلها تفك الحصار على قطر، وفي الحالتين أمريكا الرابح الأوحد.

سيناريو كورونا: 

بأسلوب من العنف في التعامل مع الأصدقاء والمصالح في ظل سيطرة صهيونية متطرفة على مراكز القرار في السياسات الأمريكية، سحبت أمريكا أسلحتها وجنودها من السعودية في ماي 2020، والأصل في تواجدها هو الخوف على المنشآت النفطية في إطار ما يطلق عليه بمقايضة الأمن مقابل النفط،  لما هاجمت قوات الحوثيين في سبتمبر 2019،  وساعدها في ذلك محاولات التقارب الايراني / الأمريكي وبالتالي أمن بطش إيران. وللعلم ان وكالة رويترز نهاية أبريل من العام الجاري نشرت أن ترامب هدد بن سلمان بقطع الدعم العسكري عن السعودية إذا لم تتوقف في إغراق السوق، مهددا إياه بضرورة خفض دول الأوبك الإنتاج النفطي … حيث نزل إلى مستوى السالب في سابقة من نوعها في تاريخ السوق النفطي.

وقبل بزوغ هذه الأزمة النفطية في ظل الأزمة الصحية الضاربة بجذورها في أمصار العالم أجمع، انتشر فيديو على شبكات التواصل الاجتماعي يتحدث فيه ترامب إلى شعبه مبينا أنه بمكالمة هاتفية واحدة حصل من السعودية على أموال ضخمة … وواصل قوله ماذا لو اتصلنا مرة ثانية وثالثة؟ في حالة من الاستهزاء والتهكم دلالة على أن المملكة بين يديه.

وعلى الأرجح أن الخوف من تطليق أمريكا لكلا أطراف الأزمة لاسيما في حالة عدم الانتخاب مجددا على دونالد ترامب، ستنفرج تاركة للظروف والمستجدات اليد في عودة العلاقات الحسنة.

أضحت إعادة النظر بالنسبة لقطر ودول الخليج عامة في علاقتها بالولايات المتحدة الأمريكية ضرورة حتمية، فلا يمكن لزواج المصلحة أن يستمر، وعلى العلاقات الخليجية والعربية الاسلامية عامة التمتين والتأصيل في زمن الغدر.

 

 


[1] ـ حدث ذلك خلال حفل تخرج عسكري بالدوحة توقَّع فيه، بحسب التصريحات الملفَّقة، أن يتم عزل الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، بسبب المشاكل الداخلية، ووجَّه انتقادًا مُبَطَّنًا للمملكة السعودية، كما تحدث البيان عن تضامن قطر مع إيران ووصف حركة حماس بالممثل الشرعي للفلسطينيين وطالب كلًّا من مصر والإمارات والبحرين بمراجعة مواقفهم المناهضة لقطر.

 

Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.