دين مقالات

الحلقة الخامسة عشرة من سلسلة أنيس الأصحاب من سورة الأحزاب

كتب الأستاذ إياد خندقجي – فلسطين:

قال تعالى (‫وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا 37 مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا 38)

مناسبة الآيات

– روى الترمذي عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت: لَو كانَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ كاتمًا شيئًا منَ الوحيِ، لَكَتمَ هذِهِ الآيةَ وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ – يَعني بالإسلامِ – وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ – يعني بالعِتقِ فأعتقهُ – أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ – إلى قولِهِ -: وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا وأنَّ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ [ لمَّا تزَوَّجَها قالوا: ] تزَوَّجَ حليلةَ ابنِهِ، فأنزَلَ اللَّهُ مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ. وَكانَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ تبنَّاهُ وَهوَ صغيرٌ فلبِثَ حتَّى صارَ رجلًا يُقالُ لهُ: زيدُ بنُ محمَّدٍ، فأنزلَ اللَّهُ: ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ – فلانٌ مَولَى فلانٍ، وفُلانٌ أخو فُلانٍ – هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ يعني: أعدَلُ عندَ اللَّهِ.” أخرجه مسلم (177)، وأحمد (26041) مختصراً، والترمذي (3207) واللفظ له، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (11408) باختلاف يسير.

التفسير

يذكر الرب جل وعلا نبيه الكريم بتلك الحادثة التي حرم بها التبني فيقول (وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله) وهو زيد بن حارثة رضي الله عنه في قصة اوردتها في سبب النزول

مناسبتها هنا لقوله تعالى (وتخفي في نفسك ما الله مبديه..) وذاك ان ابداءها كان من علامات النبوة اذ لولا نبوته وتلقيه من ربه لما اظهرها عليه الصلاة والسلام لما فيها من حرج حيث إن التزوج بزوج الابن لم يك مقبولا ولا شائعا.. لكنه الامر الالهي واجب الاذعان كما مر بنا في الحلقة الماضية (‫وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا 36)

‫وفي موضع آخر اشارة عامة بكونه صلى الله عليه وسلم ليس ابا لاحد من رجال المسلمين لكن لابنائه فقط فهو الرسول خاتم النبيين (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ)

تثبت الايات ان ما كان يخشاه الرسول ويتحرج منه المؤمنون قد زال بتزويج الرسول بنت زيد وكان يدعى زيد بن محمد.. وبهذا حرم التبني تحريما قطعيا.

ثم وفي قاعدة كلية تنبه الآيات لرفع الحرج (‫مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا 38) فتلك سنة شرعية قد تقررت في كل الاديان اذ الشريعة ما شرع الله ولكل زمان شرعة ولكل رسول طريقة

أنيس الأصحاب

في الآيات لطائف لن نستوعبها في جلستنا لكن شيخي نبه على أبرزها في هذا النقاش:

– التعبير ب (أنعم الله عليه وأنعمت عليه) عن زيد في مطلع الآية… وذكر اسمه صراحة في آخرها (فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها) فيه ما لا يخفى من تشويق..

فقد أشارت الآية لنعمة الله على زيد بهدايته للاسلام ولنعمة الرسول عليه برعايته..

وذاك لما ذكر في الآية من الحرج الذي اعترى الرسول عليه الصلاة والسلام حتى انه بات يخفي في نفسه ما الله مبديه.. ووصف بانه يخشى الناس.. نعم الى هذا الحد بلغ ما في صدر الرسول..

لاجل هذا كله نزلت الاية ببيان نعمة الله ونعمة الرسول على هذا الذي لاجله حصل الحرج.. فطمأن الله رسوله الكريم في مطلع الخطاب قبل بيان الحكم.

أما ذكره باسمه (زيد) من بعد فحتى لا يتوهم احدهم ان الحديث في الآية عن غيره فهناك الكثير ممن تنطبق عليهم صفة النعمة تلك

كما اننا بصدد استقبال حكم استثنائي جدا وهو تحريم التبني بشخص محمد عليه الصلاة والسلام

ثم إن حب الرسول صلى الله عليه وسلم لزيد لم يكن صدفة ولا عبثا فهو يستحق التكريم الالهي بعد نزع هذه الشارة الفريدة عنه (زيد بن محمد)

وبالمناسبة هو الاسم الوحيد المذكور في الكتاب لصحابي.

– ما سر أمر زيد بالتقوى بعد أمره بإمساك زوجه (أمسك عليك زوجك واتق الله) !؟

إن هذا الامساك كان تهيئة لوضع جديد فزيد الذي احب زينب ما عاد كما كان والامر بالامساك كان كذلك..

فلا تطلقها يا زيد وتضر بها واتق الله في علاقتك بها… كل هذا دون ان يعلم بما هو آت من تطليق وتزويج للرسول عليه الصلاة والسلام.

– لقد فهمنا ان (وتخفي في نفسك ما الله مبديه..) قد كانت بيانا لحرج خالج صدر الرسول صلى الله عليه وسلم إذ تزويجه من زوج ابنه كان مستغربا.. فما (وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه) !؟ هذه فعلا صعبة

ان هذا مرتبط مرتبط بذاك.. فالخشية الفطرية التي اعترت الرسول عليه الصلاة والسلام كانت لما يتوقع من قوم عاينوا طلاق امرأة بامر من الرسول ليتزوجها هو.. هل سيقال.. طلقها منه ليتزوجها هو !!؟ انها خشية مشروعة بالاخص في مجتمع لم يعهد هذا…

لاجل هذا كله نزلت الآية مبينة واضحة لا لبس فيها باعلان الامساك ثم التطليق (فلما قضى زيد منها وطرا) اي انتهت علاقته بها وهي زينب بنت جحش رضي الله عنهم اجمعين..

ثم باعلان الزواج (زوجناكها) اي زوجنا الرسول زينب.. ذلك الزواج الذي كانت تفخر به زينب وتباهي زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم بان الله زوجها فيما هن زوجهن اهلوهن

ليس هذا فقط بل ان الآية اعلنت ما لا يمكن لبشري ان يعلمه وهو حديث النفس (وتخفي في نفسك) (وتخشى الناس)…

بابي انت وامي يا رسول الله.. حتى حديث نفسك كان مكشوفا في تشريع للتشريع…

– كيف نفهم (مِن) في قوله تعالى (‫مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ ) ؟

من هنا بيانية فالمقصود ان النبي ليس عليه اي حرج.

– وهل يكون الفرض لنا ام علينا ؟ ما معنى (فيما فرض الله له) ؟

إن المقصود بالفرض هنا تزويج الرسول صلى الله عليه وسلم بزينب.. وهو إن كان أمرا فانه محبوب فزينب وجيهة جميلة ذكية مرغوب فيها

كما ان فَرَضَ هنا تأتي بمعنى قَدَّر

– ما هي سنة الله في الذين خلوا من قبل ومن هم المقصودون.. (‫سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا)

هم النبيون من قبل محمد عليه الصلاة والسلام والسنة في التشريع باقية حتى بعث عليه الصلاة والسلام.. ومن هذه السنن في الانبياء الزواج.

– ثم ختم الشيخ بتنبيه لما في كتب السير والتفاسير من نقل للضعيف الذي لا يعول عليه حول حادثة التبني…تجنبنا كل ضعيف وكل قادح في مكان النبوة لذا اقتضى التنويه

أعظم ما استفدت

إياك أيها القائد الداعية أن تخفي الحقيقة والشرع.. وإن كان سينالك من البيان نقد أو تأويل.. فما دام الله قد شرع فإنك تستند لركن شديد.. والله سيتولى أمرك

Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.