أدب و تراث ثقافة مختارات مقالات

في مديح الكتب والمكتبات

كتب الاستاذ مصطفى رحمة:

عندما كنت بالعقد الثاني إلا قليلاً، تمنيت أن يكون لدي مكتبة بها كُتب أحببتها، ولكن ضيق ذات اليد حالت دون اماني تمنيتها، ولأن دماغي لم تكن على قدر اتساع كُتب قدّرتها حق تقدير بعد ذلك، كذلك لم تكن ذائقتي قد تشكّلت بعد، تحققت أمنيتي بعد مرور وقت، فلدي الآن ما أحب من روايات وكتب وموسوعات، فأختياري غالباً مايتم وفق حسابات دقيقة جداً، أو بنصيحة ممن أثق بهم وممكن لشهرة حصل عليها الكتاب أو الرواية، وحدث أن أصبحت مُلهماً للبعض بأن أوجههم لكتب وثقت بها، بل كان البعض يصرّ على أن ارافقه فيما لو قرر شراء كتب، فحاستي تجاه الكتاب الجيد غالباً لا تخيب.

فعندما أنظر لمكتبتي التي تحتوي على عشرات الكتب التي أتمنى أن أقرأها جميعاً، يخطر لي إنني حتى لو عشت عمر آخر، فلن يكفي لقراءة كل هذه الكتب، فالآن أصبح لدي من الكتب مايفوق قدرتي على القراءة طوال ماتبقى لي من عمر وهو قليل قياسا على مافات، نحن الآن نشعر بالمرور السريع للوقت أكثر من أي زمن مضى، ولا أحد يماري في هذا، ورغم ذلك، لا أزال أضيف العشرات منها كل وقت وأضمها إلى مكتبتي، التي تكدست على الأرفف وبأماكن مختلفة من البيت، فحاجتي إلى المعرفة لا تشبع، فلا يوجد مايطلق عليه الحد الذي بتنا نعرف عندها كل شئ، بل أسعى لمزيد من النمو الفكري، منفتح على الأفكار الجديدة، وسترمقني بلوم وعتاب تلك الأعداد المتنامية من الكتب المتراصة فوق الأرفف التي لم أأت عليها بعد قراءة وتأمل، تصيبني بعدم راحة، مؤنبة ضميري على الدوام، ليس لنقود دفعتها فيها ( معلوم الآن كيف هي اسعار الكتب، خاصة المترجمة منها ) ناهيك عن مجلدات كثيرة، تمنيت قراءتها، وروايات متراصة بأنتظار قراءة، لتجاورها روايات جديدة، ولن تتوقف المكتبات عن عرض كل جديد، ولن نتوقف عن الاقتناء

فالمكتبات والكُتب، لا شك تعكس مانحن عليه من قناعات، بل هي تمثيل رمزي لعقولنا، بل هي تشكل عقولنا، فالكتب تعينك على عدة انشطه، أولاها نشاط تأمل لن تبلغ نهايته، تحررك بالضرورة من هذيانات يقول بها رجال الدين، بأن تجعل منك مستنيراً، فالكتاب الذي قرأت، جالب بالضرورة لكتب آخرى، لأستزادة لا تني تتوقف، كذلك نشاط عقلي وذهني لن يجد راحة، سبيله معرفة كلية، فالقراءة أمر جوهري للوجود الإنساني، والعزوف عنها يهدد هذا الوجود، فإن قرأت لن تعود الشخص الذي كنته، و لأن الكتاب وحده قادر على إدراك حقيقة مايعانيه البشر واغلب المجتمع من تخلف

، وإن سألتني عن كتاب جدير بتغييرك كلياً، سأقول نعم، الكتاب لديه القدرة على ذلك، فأن تعرف خير لك من أن لا تعرف، الكتاب ينير العقول من عتمة الجهل، الذي يحياه أغلب المصريين بسبب تغيير أحدثه ذهان ممن يطلق عليهم فقهاء الميديا، وأزهر رجعي يغض الطرف عنهم برضا، الكتاب يجعلك مبصر بين العميان واقفاً على عقبيك، لتكتشف كم كنت واهماً ومخدوعاً، والأسوأ، أن تذهب بما تعتقد إلى القبر.

الكتاب الذي بدّلني تماماً وقرأته مبكراً جدا الفتنة الكبرى بجزأيه لعميد الأدب طه حسين، ولم أعُد كما كنت بعدها، ولعمري كان دأب دطه حسين أن يحى المجتمع في النور، لكن المجتمع آثر الظلام، فكان للخفافيش أن تسود.

فيما مضى كنت أظن أن الزمن ممتد، وهذا لعمري وهم نحياه جميعاً، ونحن بعد بمقتبل العمر أو بعده، فنُلحق بمكتباتنا مجلدات، إن قررنا ولوجها، عليك أن تتفرغ لها تماماً وكأنما تخصصت فيها وحدها، راق لي الإمام الأكبر محيى الدين بن عربي، وقرأت عنه وعن مؤلفاته بعدة كتب متفرقة لمن تخصصوا فيه، وجدت الفتوحات المكية ( 15 مجلد ) بإحدى مكتبات هيئة الكتاب، اشتريتها على الفور، بعدها وأنا أمر بعيني على الأرفف بأحد المكتبات و بالصدفة وجدت مُجلد كبير مُنجدْ لشرح وتحليل أغلب كلمات ( رموز ) الفتوحات المكية، اشتغلت عليه القديرة د سعاد الحكيم من لبنان، التي قرأت لها عودة الواصل، يقع المُنجدْ في حوالي سبعمائة صفحة، كان نسخة واحدة، مُهملة بين كُتب كثيرة، مؤكد لم أقترب منهما، فإبن عربي لاشك فيلسوف كبير، ويعوزه انقطاع تام عن باقي المعارف، كما قال د عبد الرحمن بدوي، من يروم الفلسفة ينقطع لها دون غيرها عن زوجة وولد، ترجم فيه كتاب رائع للأسباني أسين بلاسيوس، أنصحكم به

فدائما علينا تحديد أولوياتنا في اختيارتنا لكتب قررنا ضمّها على مثيلاتها، مما نتج عن ذلك ثلاث مكتبات بالبيت وبالمرسم مع فائض كبير من دوريات، وقصاصات انتزعتها من صحف ومجلات، كلها تُعني بالأدب والثقافة والمعرفة، ورغم ذلك، مازال الكتاب الجيد يراودني عن نفسه وأقف ضعيفاً مسلوب العقل تماما حياله، فالكتاب الجيد لا شك يروم قارئه، ناهيك عن كتب أشار البعض عليها أو اشاد قارئ بها فأسعى لأن أقتنيها، فلدي عادة، الكتاب الذي أقرأه بالضرورة أمتلكه، لا أعير كتاب، وكلنا يعرف المثل الشهير، اشتريت كتب واهديتها من فرط اعجابي بها لحميمين، كي لا افرط في النسخة التي لدي، كان لسد هارتا لهرمان هسه و داغستان بلدي لحمزاتوف وتقرير إلى غريكو لكزنتزاكس والعطر لسوزكيند، الصدارة في ترتيب تلك الكتب التي لم تكن كثيرة بالفعل، هذا زمن أبو ظبي، فالكتب الجديدة الجيدة التي فتحت آفاقا جديدة للوعي والفهم البشري هي حقا قليلة بل نادرة..

تمنيت بصراحة أن أنتمي لمجتمع قارئ بالضرورة، ممن رأيتهم بالغرب أو ببلاد تعرف قيمة الكتاب جيداً، ممن يقرأون بوسائل المواصلات وبأي مكان طالما توفر الوقت

شاء أن يكون البلد الذي أنتمي إليه من يقرأ فيه قليل جداً، بل معدوم تقريباً لفقر في الفكر احدثته انظمة جاهله، بالرغم إننا أُمة إقرأ، حتى غابت عننا فضيلة القراءة والبحث، فلسنا كشعوب العالم المتفوق، فغاب عن أغلبنا التحضر و الرقي و التمدين، ولم يعد لدينا أثر يذكر بفعل الحضارة

أذكر إني قرأت مقالين رائعين عن شراء وتكديس الكتب للكاتب دحسن مدن والثاني للروائي جمال الغيطاني، وتوافقا فيما كتبوا عن الكتب التي لن نتوقف عن شراءها وتمني الحصول عليها ومن ثم قراءتها، رغم محدودية اعمارنا مهما طالت، كذلك أذكر أن سأل الأستاذ أحمد بها الدين الدكتور طه حسين، بعدما رأي مكتبة العميد والتي أمتلأ بها بيته، وبحسب توصيف بهاء الدين، فقد كانت الأرفف من الأرض وحتى سقف وعرض أغلب الغرف، سأله: لماذا كل هذه الكتب، وهل قرأت جميعها؟

قال العميد كلاماً موزونا يرضي عنه العقل: ممكن أستعين بعدة أسطر فيما لو كنت أقوم بوضع كتاب ( بحث ) جديد.

مما عجبت له حجازي فنان الكاريكاتير لا شك مثقف كبير، هذا أن تكلم واسترسل بما يعتمل برأسه، تخيلت المكتبة لديه، مؤكد بحجم رأسه الكبيرة! زرته منذ عقود بمنزله وإذا البيت يخلوا تماما من كُتب ومكتبة، عرفت منه عدم احتفاظه بأي كتاب، يقرأهم ومن ثم يعطيها لأول عابر سبيل يزوره، كان يطلق على شراء الكتب ( الوجبه ) يشتريها ويقرأها ومن ثم يتخلص منها ( كان دودة قراءة ) فلسفته عدم الأحتفاظ بالأشياء، بحسبه راحل لا محاله، ورحل خفيفاً كما تمنى

.. عن نفسي صعب التخلي عن أيٍ من الكتب، وإن كان السؤال الذي طالما راودني كلما جلست أمام مكتبتي بالبيت وبي شجن وأسى كبيرين، متى سأتمكن من قراءة كل ما أحببت من كتب، فأن تغادر ولديك مكتبة، لهو مؤس، وليس بالآخرة كُتب!

فهل لديكم قلب على الخلاص من كتب احببتموها ؟

فمن فرط سعادتي وولهي بكتاب جيد، أُرجئ قراءته حتى يظل مستغلقاً علي، أجد متعة في ذلك، وكم تمنيت أن لا أفرغ من قراءة كتب بعينها حتى لا تصبح ماضىٍ، فأحزن، عزائي الوحيد في قراءتها مرة آخرى، وكثيراً ما أفعل.

فالكتاب هو أثمن شئ في الحياة، ولا يعادله شئ آخر…

كانت المنصورة بلدي بها مكتبات تعرض روايات وكتب لأغلب كتاب تلك المرحلة نهاية الستينيات وبعدها بسنوات قليلة، بل كان البائعون على معرفة بما يبيعون من كتب وروايات، بل وينصحونك بكتب لا تخيب، تبدل المعروض بالمكتبات بمنتصف سبعينيات القرن المنصرم، هالني مارأيت، صحائف صفراء بها خرافات وهذيانات فعلت فعلها بأن وقرت بعقول الناس، بعناوين تبعث فيك القنوط والأشمئزاز لكشك والشعراوي وعمر عبد الرحمن وغيرهما كثيرين، تبدّل المجتمع تماماً، وتلك قصة آخرى تناولتها كثيراً بكتاباتي.

لن أنسى ماحييت ذلك الكتاب الذي تعمد مؤلفه أن يقتص من عميد التنوير د طه حسين وهو ممسك بقضبان حديدية كما بالمحاكم وخلفه نار مستعرة، لا أذكر مؤلف الكتاب ولكن أذكر جيداً توقيع الرسام مصطفى حسين على رسم غبي في تناوله من إنه مُلحد.

وأختم بما قال به الروائي الكبير ماريو فارغاس يوسا، صاحب أجمل الروايات كي ينقل لكم ما أود قوله تماماً، فلم أجد أجمل ولا أروع مما كتب

‎لا شئ يحمي الإنسان من غباء الكبرياء والتعصب الديني والسياسي والقومي أفضل من تلك الحقيقة التي تظهر دائمًا في الأدب العظيم

‎لايوجد من يعلمنا أفضل من الأدب أننا نرى برغم فروقنا العرقية والاجتماعية ثراء الجنس البشري، ولايوجد ماهو مثل الأدب لكي يجعلنا نكافئ ونمجد فروقنا بوصفها مظهرًا من مظاهر الإبداع الإنساني متعدد الأوجه. قراءة الأدب الجيد هو مصدر للمتعة بطبيعة الحال، ولكنه أيضًا تجربة لنعرف من نحن وكيف نكون، بعيوبنا وبنقصنا، وحيدين وفي العلاقات التي تربطنا مع الآخرين، في صورتنا العامة الظاهرة لدى الآخرين أو في تجاويف وعينا السرية.

Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.