دين مقالات

بين الدين والشريعة

كتب الأستاذ جميل عبد النبي:

الإسلام بمفهومه العام الذي يشمل دين الأنبياء جميعا، والمتمثل في الإيمان بالله واليوم الآخر ومنظومة القيم والمعايير التي من شأنها توجيه حركة الحياة الإنسانية، وأيضا بمفهومه الخاص الذي يقتصر على ما جاء به الرسول محمد عليه الصلاة والسلام،

والذي لا يختلف عما جاء به الرسل جميعا عليهم السلام، سوى في المنظومة التشريعية المرتبطة بطبيعة الرسالة التي جاء بها كل رسول على حدة، والتي كان لا بد وأن تكون متوافقة وطبيعة الناس والبيئة واللحظة الزمنية التي تتنزل فيها، كما أنها كانت دائما محكومة للثابت الديني المشترك لكل الرسل والمتمثل في الإيمان بالله واليوم الآخر والمنظومة الأخلاقية القيمية التي يريدها الله معيارا ثابتا، ومرجعية ممتدة للشرائع المتحركة.

الإسلام بمفهومه العام والخاص صالح لكل زمان ومكان، هذا ما نؤمن به ونقرره ونلزم به أنفسنا، ليس لمجرد أننا ورثناه عن آبائنا الأولين، وإنما لطبيعة فهمنا لسعة ومرونة هذا الدين العظيم، وكذلك لما نجده واضحا في القرآن الكريم – من وجهة نظري – والذي يمكننا بواسطته التمييز بين الثابت العابر للزمان والمكان، والمتحرك بطبيعته وبطبيعة القضايا التي يعالجها، والتي كان القرآن الكريم – غالبا – يتناولها بلغة مرنة تجيب عن سؤال اللحظة وتسمح في نفس الوقت بتجدد الفهم بما يتوافق ومستجدات الحياة المتحركة.

هذا من حيث المبدأ، إلا أننا نقرر هنا أن الخلط بين الثابت والمتحرك سوف يقضي على قدرة الدين على التمدد، وسوف يعطل حركة الحياة الإنسانية، حيث سيفرض على التفاصيل غير القابلة للسكون أحكاما كانت متوافقة مع لحظة مختلفة وبيئة مختلفة.

هذا يعني أننا لا بد وأن نميز بين الدين الثابت، والشريعة المتحركة، حيث الدين هو القاسم المشترك لكل الرسل والأنبياء، فجميعهم دون استثناء جاءوا بدين واحد، هو الإسلام بمفهومه العام والذي ندعي أن الآيات ” إن الدين عند الله الإسلام ” و ” من يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه ” كانت تعنيه، وذلك استنادا إلى ما جاء مكررا في القرآن الكريم على لسان العديد من الأنبياء بأنهم مسلمون، ويدعون أقوامهم وأبناءهم لأن يكونوا مسلمين، بينما لم يأت الرسل أبدا بشريعة واحدة، وإنما جعل الله لكل منهم شرعة ومنهاجا.

هنا لا بد من طرح السؤال التالي: لماذا جاء الرسل جميعا بدين واحد، بينما اختلفت شرائعهم؟

ليس هناك ما يمكننا من تحديد الإجابة على هذا السؤال، سوى طبيعة القضايا التي يتناولها كل من الدين والشريعة، حيث قضايا الدين ثابتة، ليست مرتبطة باللحظة الزمنية، كالإيمان بالله واليوم الآخر والأخلاق، بينما قضايا الشريعة ليست كلها كذلك، بل تعكس أحيانا أعرافا أرضية يتعارف عليها الناس، وفقا لما تسمح به مقدرات لحظتهم الزمنية، ما يعني أنها بالضرورة متحركة في أدواتها ووسائلها، وعليه ما كان ممكنا أن يأتي جميع الرسل بذات الشريعة، ولذا كان لكل منهم شرعة ومنهاجا لكنها (أي الشريعة ) على ما يطرأ عليها من تغيير مع كل رسول جديد كانت دائما مسقوفة ومحكومة بالدين ( المعيار).

بكلمة أخرى: كان الدين بمعاييره العابرة للزمان والمكان يقوم بدور المرجعية للشرائع المتحركة، والتي كثيرا ما كان الدين يقر الناس على ما هم عليه، إن كان ما هم عليه لا يصادم المعايير الدينية العليا، هذا يفسر لنا ما يشبه التطابق بين الكثير من التشريعات القرآنية، وبين ما كان مطبقا قبل بعثة النبي محمد نفسه عليه السلام، حيث العبرة ليست في ذات القانون، وإنما في ملاءمته للمعايير الدينية العليا، وأيضا وفق ما تسمح به معطيات اللحظة الزمنية.

أيضا: من هنا نستطيع فهم حركة القرآن التشريعي مع حركة المجتمع من خلال ما عرف بأسباب النزول، حيث كثيرا ما أشار القرآن نفسه للتساؤلات التي تجيب عليها الآيات القرآنية، وهي مواطن معروفة ومتعددة في القرآن الكريم، يقدم لها القرآن بصيغة (يسألونك)، هذا إضافة لتعليقاته المتعددة على الأحداث التي كانت تسبق النزول.

الشرائع إذن لا بد وأن تراعي الواقع، بل لا يمكن أصلا فصلها عن الواقع، خاصة تلك التي تمس الجوانب المتحركة، حتى داخل الدين الواحد كانت الشريعة في التحليل والتحريم تراعي طبائع الناس وقسوة طباعهم أحيانا، فلقد قال القرآن عن بني إسرائيل مثلا:” فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرا ” وعندما جاء عيسى عليه السلام خاطب بني إسرائيل ” ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم ” لكنه أبدا ما قال لهم: كانت الآلهة متعددة وصارت واحدا – حاش لله – بل كلهم كانت دعوتهم منذ آدم وحتى محمد عليهم جميعا الصلاة والسلام ” يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره “.

نحن ملزمون إذن أن نراعي أثر تطور الزمن على ظواهر الأحكام الشرعية، ومن ثم ندور مع المقصد تحت سقف الثابت الديني، ليس فقط وفق منطوق النصوص المجزأة، وإنما وفق المنهج القرآني الكلي، سعيا لتحقيق مقاصده الكلية، التي أنزل الله كل الاديان من أجلها.

Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.