دين مختارات مقالات

المسيح والمرأة الخاطئة مرة ثانية

بقلم ا. محمد عبد العاطي – مصر:

لا يغيب عن ذهني مشهد السيد المسيح وتصرفه حينما أتى المتشددون اليهود بامرأة متهمة بجريمة الزنى إليه في مجلسه بالهيكل ليختبروا إن كان سيحكم عليها وفقا لشريعة موسى أم سيصدر حكما آخر يستغلونه ذريعة لاتهامه بالكفر والهرطقة ومخالفة الناموس ويشنِّعون عليه ويؤلبون ضده الرأي العام ضمن مخططهم الخبيث الذي يريدون أن ينتهي بقتله. لا يغيب عن ذهني ذلك المشهد، وكل فترة أعود أتأمله وأتأمل معالجته – عليه السلام – لهذا الموقف وتصرفه مع تلك المرأة ومواجهته لنفوس وضمائر الجمهور الذي تحلَّق حولها في الهيكل.

حينما قال السيد المسيح لهؤلاء المتشددين: من كان منكم بلا خطيئة فليتقدم وليرمها بحجر، أراد – فيما أراد – أن يوصل رسالة لهذه السيدة التي ضعفت مقاومتها ووقعت في محظور الزنى وشعرت في ذلك الموقف أنها وضيعة وأن كل من حولها ممن يمسكون بالحجارة في أيديهم ويتحفزون لمعاقبتها إنما هم أشرف وأطهر منها.. أراد أن يخبرها أنها ليست وضيعة. شخصيتها ليست دونية ولا حقيرة. وأن الخطأ لا يعني أن الإنسان قد تحول إلى شر محض. أو إلى شيطان لا أمل فيه. أراد الحبيب المسيح لها أن تستعيد بعض الثقة في نفسها، وأن تضع خطأها في نصابه، وأن تتذكر أنها لا تزال إنسانا فيه من الخير كما فيه من الشر. أراد أن يجعلها تحب ذاتها الخيرة التي لا يراها الناس وربما نستها هي نفسها في دوامة الضعف التي ألمَّت بها.

والحق أنه نجح في ذلك، فحدث ما يشبه المعجزة.

لقد تركها مكوّمة تنتظر أن تنهال حجارة الرجم عليها فتميتها وتوجه بالسؤال إلى هؤلاء الواهمين بالكمال. الشاعرين بالاستعلاء الزائف. بالورع الكاذب. لقد كاشفهم بحقيقة أنفسهم. حقيقة ضعفهم. قال لهم إنَّ كلَّ واحدٍ منكم مخطئ مثلها. مخطئ في شيء ما لكن الله ستر عليه، ولو أنه فضح ستره لكان في موقفها. أشعرهم بالخزي. فإذا بالمرأة المدانة تنتبه أنها ليست وحدها المخطئة في هذا العام. تعلم أن كل البشر خطَّاؤون. هنالك أعادت النظر إلى ذاتها. وضعت ضعفها الذي أوردها هذا المورد في حيّزه.

وحينما استفاق المحيطون بها وصحت ضمائرهم بقوة كلمات المسيح وعظم تأثيره الروحي عليهم. بصدقه الذي هزَّ أعماقهم. انصرفوا من الهيكل.

وحينما لم يلقمها لاقم بحجر فتحت المرأة عينيها المغمضتين من الخزي والخوف وأبصرت فلم تجد منهم أحدا. فقال لها المسيح الحكيم الرحيم:

أين أؤلئك المشتكون عليك؟ أما دانك أحد؟

فتلفتت المرأة حولها ثم قالت في دهشة: لا أحد يا سيد

فقال لها بصوته الحاني: ولا أنا أدينك.. إذهبي ولا تخطئي بعد اليوم

يا له من موقف كلما عاد إلى ذاكرتنا علَّمنا شيئا جديدا.

Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.