دين مقالات

الحلقة الرابعة عشرة من سلسلة أنيس الأصحاب من سورة الأحزاب

كتب الأستاذ إياد خندقجي:

قال تعالى (‫إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا 35 وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا 36)

مناسبة الآيات

‫الآية ٣٥ / قَالَ ‫الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا ‫عَفَّانُ، حَدَّثَنَا ‫عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ ، حَدَّثَنَا ‫عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمٍ ، حَدَّثَنَا ‫عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ شَيْبَةَ ، ‫سَمِعْتُ أُمَّ سَلَمَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَقُولُ: قُلْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا لَنَا لَا نُذْكَرُ فِي الْقُرْآنِ كَمَا يُذْكَرُ الرِّجَالُ؟ قَالَتْ: فَلَمْ يَرُعْنِي مِنْهُ ذَاتَ يَوْمٍ إِلَّا وَنِدَاؤُهُ عَلَى الْمِنْبَرِ، قَالَتْ، وَأَنَا أُسَرِّحُ شَعْرِي، فَلَفَفْتُ شَعْرِي، ثُمَّ خَرَجْتُ إِلَى حُجْرَةٍ مِنْ حُجَرِ بَيْتِي، فَجَعَلْتُ سَمْعِي عِنْدَ الْجَرِيدِ، فَإِذَا هُوَ يَقُولُ عِنْدَ الْمِنْبَرِ: ” يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسَلَّمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ” إِلَى آخِرِ الْآيَةِ .

وَهَكَذَا رَوَاهُ ‫النَّسَائِيُّ وَابْنُ جَرِيرٍ ، مِنْ حَدِيثِ ‫عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ زِيَادٍ ، بِهِ مِثْلَهُ (تفسير ابن كثير).

الآية ٣٦ / روى السيوطي في لباب النقول عن قتادة بن دعامة قال خطب النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم زينبَ وهو يريدُها لزيدٍ فظنَّت أنَّه يريدُها لنفسِه، فلمَّا علِمت أنَّه يُريدُها لزيدٍ أبت، فأنزل اللهُ: { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ } الآيةُ. فرِضِيَت وسلَّمت

التفسير

قد مر بنا كيف ان اصلاح البيوت صلاح للدولة وكيف تعامل الكتاب مع المرأة من خلال نساء النبي صلى الله عليه وسلم…

وهكذا يمضي السياق في توليد الحماس في صدور نساء المؤمنين فتنزل الآيات مقررة لتساؤل حول خطاب الرجال في الكتاب لتبين بصورة قاطعة جامعة مانعة انهن شقائق الرجال وان الدين لا يفرق بين رجل وامراة في التكاليف ولا الواجبات الا ما كان لمناسبة خلقهن او خصوصية فيهن

فيخاطب الله بترتيب محكم: المسلمين والمؤمنين والقانين والصادقين والصابرين والخاشعين والمتصدقين والصائمين والحافظين فروجهم والذاكرين الله كثيرا…

وتذكر الآية مع كل صفة مؤنثها من باب اكرام المرأة وبيان اهليتها لكل ما ذكر…

ولتثبيت المسلمات اللواتي قد يكون تسلل لقلوبهن نوع من الالم او التسخط.

ان هذه الاصناف الممدوحة بمآل المغفرة والاجر العظيم لم تكن فقط لاجل هذا.

لكن وكما سياتي.. هناك جمال فكرة وترتيب رائع في ما ورد في الاية.

ثم تؤكد الآيات على ضرورة طاعة الله ورسوله وعدم جواز مخالفة امرهما او نهيهما وتحذر من العصيان المفضي للضلال والتيه.

أنيس الأصحاب

جلسنا بعد صلاة الفجر نذكر الله فجمعنا الشيخ حتى الشروق نتلو ونتأمل هذه الآيات:

– تساءل أحدهم حول الترتيب المذكور في الآية.. وهل فيه فائدة؟

ان هذا الترتيب المحكم لو تاملناه لوجدنا انه وثيقة شرعية هامة في ترتيب اعمال المؤمنين

فالاسلام (ان المسلمين..) خضوع واستسلام وهو اول درجات التصديق

ثم ياتي الايمان (والمؤمنين..) وهو التصديق الجازم

ومن بعد ياتي الدوام على العبادة الذي لن يكون الا بايمان واسلام (والقانتين..)

ثم ان الدوام يستلزم صدقا في اداء الشعائر (والصادقين..)

وهذا الصدق سيدل على ابتلاء او انه صعب على النفوس لذا استلزم صبرا (والصابرين..)

وان من كان هذا شأنه فان تمام الاجر لن يكون الا بخشوع (والخاشعين..)

ثم تنتقل الآية لتعداد اهم الاعمال الموجبة للاجر ويستغرقها الاخلاص

فتاتي الصدقة واجر الخفي منها اعظم واسرع (والمتصدقين)

ثم الصوم وهو كما اخبر الرسول صلى الله عليه وسلم لله (كل عمل ابن آدم له الا الصوم فانه لي وانا اجزي به) وذلك لاستغراق الاخلاص فيه (والصائمين..)

ومن صام فامسك عن الاكل والشرب فانه ينبغي ان يلتزم بعفة الجسد فلا يعتدي عليه بما يسخط ربه (والحافظين فروجهم والحافظات)

كل هذا يحفظه ويديمه ويباركه ذكر الله (والذاكرين الله كثيرا…)

وهكذا فان للترتيب نورا لا يعرفه الا من استحضره فعمل بمقتضاه..

ولا يعني هذا الترتيب ان يكون مسلما ثم مومنا ثم قانتا…. زمنيا.. لكن المسلم يفعل كل هذا مستحضرا الرتبة فيه.. فالترتيب رُتَبِي وليس زمنيا بالضرورة.

– وحين كنا نستعرض الترتيب تدخل احد الاخوة قائلا: كيف نفهم الجزاء (أعد الله لهم مغفرة واجرا عظيما) بعد كل هذا الاطراء وهذه الاعمال الصالحة.. المغفرة تكون على الذنوب !!! أم ماذا؟!

نعم.. تلك الصغائر التي تستلزم استغفارا يغفرها الله، ومن أجل تربية الامة المسلمة على عدم الإدلال بالطاعة كان الاستغفار والمغفرة..

فانت يا مسلم وان اديت ما عليك فصرت مومنا قانتا…. فان هذا لا يعني انك لا تذنب.. الله يعلم ذنبك ويغفره.. فكن على حذر واشكر توفيق ربك.

– دوما أتساءل.. هناك سر ولا بد في اقتران كثيرا بالذكر (والذاكرين الله كثيرا والذاكرات) اي والذاكرات كثيرا.. !!!

هذه النعمة التي وهبنا الله اياها وهي دوام ذكره نعمة تستحق الشكر والشكر يزيدها.

ان (كثيرا) لازمة ليست مقحمة ولا زائدة فالذكر المحمود هو الذكر الكثير والا لن يكون ذكرا.. فالذكر مادة التذكر وقليله يورث النسيان

ان ذكر الله كثيرا هو قمة هرم الاعمال الواردة في الاية ولك ان تتخيل انه اعلى من الصدق والصبر والخشوع…. فهل وعيت !!!؟

– ثم سأل اخ كريم حول قوله تعالى (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم..) الم يك يكفي ان يقال (لمؤمن) فيغني عن (ولا مؤمنة) !؟

ان السياق بيان لاستيعاب الدين للنساء والرجال كما في اسباب النزول وان سبب نزول هذه الاية بالذات هو كما بينا امراة..

ثم ان ضعف المرأة قد يتصور فيه او يتوهم (الاختيار) وان تقديم (مؤمن) وعطف (مؤمنة) معترضة ب (ولا) دل على ان لكل منهما عناية خاصة

نعم.. ما كان يغني ان يؤتى بمؤمن دون مؤمنة في هذا السياق

– تساءلت حول الأمر في قوله تعالى (إذا قضى الله ورسوله أمرا)..

فقد لاحظنا ان (أمرا) كانت نكرة في (إذا قضى الله ورسوله أمرا) وهذا يعني: أي أمر

ثم جاءت هكذا (أن يكون لهم الخيرة من أمرهم) ولم يقل من الامر.. فكيف نفهم الأمر في الآية؟!

إن المقصد من الآية هو ان يصير امر المومنين تبعا لامر الله.. فمهما كان امره تعالى فليكن امركم ايها المومنون هو امره.

نعم هو امركم لكنه الان لن يكون لكم ولن يكون لكم الخيار فيه بل اتبعوا امر الله ورسوله.

ومن المعلوم ان الرسول يامر واقترانه بالله لتعظيم الشأن.

ليس هذا فقط.. بل ان امره تعالى هو الامر المبين الدال على الصراط المستقيم المحقق للمصلحة المبني على اليقين بدلالة ‫(وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا)

‫فالعاصي سيضل عن الصراط القويم ضلالا مبينا.

– في الختام ذكر شيخنا ان هذه الايات جاءت في سياق الاحزاب وما فيها من عسر وضيق وان جو الآيات وسياقها يدل على ذلك، فكما ان المومنين صبروا واجتهدوا وجاهدوا على حر السنان هم الان مطالبون ان يصبروا عن غدر النفس وكيد اللسان فيتبعوا حق الاتباع وينشروا الدين كما قضى الله ورسوله بامتنان.

أعظم ما استفدت

إن النساء شقائق الرجال في التكليف والجزاء وإن ليونة في الدين لن تقبل منهن ولا من الرجال..

كل الذي نفهمه من التذكير والتأنيث أن العدل الالهي قضى ان يكلف الله كلا بما يجزيه عليه خير الجزاء

وللحديث بقية إن كان في العمر بقية.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.