دين مختارات مقالات

الحلقة الثالثة عشرة من سلسلة أنيس الأصحاب من سورة الأحزاب

بقلم الأستاذ إياد خندقجي – فلسطين

قال تعالى (‫يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا 32 وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا 33 وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا 34)

مناسبة الآيات

‫روى ابن حبان عن واثلة بن الأسقع الليثي أبوفسيلة أنه قال سأَلْتُ عن علِيٍّ في منزلِه فقيل لي: ذهَب يأتي برسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذ جاء فدخَل رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ودخَلْتُ فجلَس رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على الفِراشِ وأجلَس فاطمةَ عن يمينِه وعليًّا عن يسارِه وحَسَنًا وحُسَيْنًا بَيْنَ يدَيْهِ وقال: ({إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} [الأحزاب: 33] اللَّهمَّ هؤلاءِ أهلي) قال واثلةُ: فقُلْتُ مِن ناحيةِ البيتِ: وأنا يا رسولَ اللهِ مِن أهلِك؟ قال: (وأنتَ مِن أهلي) قال واثلةُ: إنَّها لِمَن أرجى ما أرتجي (صحيح ابن حبان)

التفسير

تمضي الآيات في تحسين البيت الداخلي من خلال بيت النبوة

فتبدا بهذا النداء اللطيف (يا نساء النبي) لتبين انهن في مكانة سامية لا كالنساء (لستن كأحد من النساء) ولكن بنفس القيود التي يفهم منها انهن مبرءات لمكانهن لا لتقوى فيهن فيقول الرب جل وعلا (إن اتقيتن)

ثم تشرع الآيات في بيان الاحترازات اللازمة لاصلاحهن وامتيازهن:

– لا يكن كلامكن لينا خفيفا يُطمِع الرجال المرضى بكن (فلا تخضعن بالقول..)

– فليكن ما تقلن قولا حسنا يحكي البر والتقوى (وقلن قولا معروفا).

– ليس من واجباتكن الخروج من البيوت بل المكوث فيها الا لضرورة او معروف (وقرن في بيوتكن).

– العفة تقتضي الا تتبرجن في اللباس كما كان في الجاهلية الأولى بل التزمن بشروط الحجاب الشرعي الذي اقره الإسلام.

– اقامة الصلاة بادائها مع الالتزام بشروطها واركانها وروحها.

– آتين زكاة اموالكن وفق المقرر في الإسلام.

– الطاعة في كل ما امر الله ورسوله.. وهو أمر عام جاء بعد خاص لبيان العناية بكل ما امر الله به ورسوله صلى الله عليه وسلم.

– الالتزام بالقرآن والسنة فهما في بيوتكن وانتن الاقرب لما ورد فيهما من تعاليم وارشادات.

ذاك الذي كان ما هو الا ليطهر الله بيت النبوة ويذهب عنه الاثم والفسوق.

أنيس الأصحاب

هذه الآيات العظيمات لا يمكن أن نستوعب ما فيهما من تأملات في حلقة ولا اكثر ولكننا سنحاول الوقوف على أبرز التساؤلات فيها كقضايا خضعت للنقاش بين أصحاب الفضيلة والسماحة:

– القضية الأولى: هل الاوامر والعظات في الآيات تختص بنساء النبي أم أنها عامة في كل النساء المسلمات؟

مما لا شك فيه ان (لستن كأحد من النساء إن اتقيتن) خطاب لامهات المؤمنين..

وقد مر بنا سابقا وهو يتكرر هنا بداهة أن العظيمات إذ أمرن بهذا فان من دونهن اولى بالالتزام به.. الا ان يكون هناك ما يشير لخصوصية كما سياتي عند الحديث عن أهل البيت.

– القضية الثانية: الخضوع بالقول

إن الخضوع بالقول من المصطلحات الفريدة التي نقف عندها باجلال في سورة الاحزاب.. لذا كان لا بد من تفصيل القول فيها كالآتي:

الخضوع لغة: تدور مادة (خضع) بين معاني الاستسلام والذل والميل والانحناء.. وكلها معان فيها ضعف وذبول

والخضوع بالقول شرعا هو ذاك الميل المورث للانحناء والذل الذي يسببه ردود افعال المرضى تجاه من مال من النساء بالقول وانحنى.

وبالنظر الى سياق الآيات نجد ما يلي:

– (فيطمع الذي في قلبه مرض) توحي بان الخضوع المذموم هو ذاك الذي يطمع صنفا خاصا من الرجال وهم الرجال مرضى القلوب لا الأسوياء أولي الالباب

– (تبرجن تبرج الجاهلية الاولى) قرينة تثبت ان السياق يتحدث عن قينات وغانيات وربما ما اشبه ذلك من صفات معاصرة

– (قلن قولا معروفا) في نفس سياق النهي يعني ان النهي ليس عن مجرد الكلام بل عما ليس معروفا (مارآه الشرع حسنا)

– قد ورد أن عائشة رضي الله عنها كانت تعلم الرجال وردودها على ابن عباس وابي هربرة رضي الله عنهما مشهورة كما انه لم يرد ابدا ان النساء في زمان النبي صلى الله عليه وسلم ما كن يتكلمن في حضرة الرجال

– اذن وفي ضوء ما تقدم فان الخضوع بالقول المنهي عنه هو ما كان فيه تكسر يورث شهوة او ميلا لدى الرجال

– القضية الثالثة: القرار في البيوت

قوله تعالى (وقرن في بيوتكن) يفيد المكث في البيت بنهي قاطع ودون استثناء (في الآية) لكن القرار في البيوت كما نفهم من سياق الآيات وأدلة الشرعية ليس حراما بالمطلق وذلك ل:

– سياق الآية يدل على ان القرار في البيوت لامهات المؤمنين مقترن فعلا ب (لا تبرجن تبرج الجاهلية الاولى) وهذا سناتي عليه لاحقا.

– ان خروج المرأة للضرورة من علاج وتعلم وتعليم لم يقل بحرمته احد بل ان الرسول صلى الله عليه وسلم قال ” إذا دعي أحدكم فليجب” والمقصود لوليمة عرس مثلا وهذا عام في الرجال والنساء.

– الصحابيات كن يخرجن في المدينة ولم ينكر عليهن.

– ان تعليم المرأة للمرأة وتطبيبها هو الاصل ولا يكون الا بخروج.

– الالتزام بالضوابط من عدم تبرج او اختلاط او خضوع بالقول لازم حال اي خروج جاز.

– نظل نحوم في مسألة الخروج على ان الاولى هو القرار في البيوت لكن لا حرمة في قضاء الحاجات الدينية والدنيوية بل ان الخروج يكون اولى ان كان لاداء واجب ديني بضوابط الشرع.

– اخيرا اسرد هنا ما ورد مسند الإمام أحمد أن أم حميد امرأة أبي حميد الساعدي جاءت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إني أحب الصلاة معك، قال: قد علمت أنك تحبين الصلاة معي، وصلاتك في بيتك خير لك من صلاتك في حجرتك، وصلاتك في حجرتك خير لك من صلاتك في دارك، وصلاتك في دارك خير لك من صلاتك في مسجد قومك، وصلاتك في مسجد قومك خير لك من صلاتك في مسجدي.

– القضية الرابعة (تبرج الجاهلية الأولى)

حين نقرأ للمفسرين نجد انهم ما كانوا يتخيلون ربما ان تكون جاهلية غير الجاهلية التي عاشها الصحب قبل الاسلام.

لن اخوض في آراء ربما لا يعول عليها لكنني اقرا الآيات في سياقها.

فالجاهلية الاولى كانت الالصق بالصحابة وهم من نزل القرآن فيهم.. وعليه فان النهي عن التبرج كتبرج الجاهلية يعني ذاك الذي عرفوه قبل الاسلام

وبكل بساطة ودون ان احملكم في اتون شبهات واقاويل وآراء مشتتة اقول

ان كل ما لم تلتزم فيه المرأة بالشروط الشرعية في اللباس يعد تبرجا مذموما

والشروط باختصار (وليس هذا محلها فقد خدمها كثيرون في كتب محكمة يرجع اليها)

(ان لا يصف اللباس ولا يشف ولا يكشف عورة ولا يكون من لباس شهرة او يعلم به ما تخفي الزينة) للاستزادة راجعوا (لباس المرأة المسلمة – سلمان بن فهد العودة)

– القضية الخامسة (أهل البيت)

في قوله تعالى (‫إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) بعد بيان الاحترازات الواجبة على امهات المؤمنين (نساء النبي صلى الله عليه وسلم) بيان لمعنى هام وهو ان كل ما ذكر ما كان الا ليطهر الله بيت النبي صلى الله عليه وسلم من خلال التخلية (يذهب عنكم الرجس) وهو الدنس ومن بعد بالتحلية (ويطهركم تطهيرا)

‫ان لفظ (يُذْهِب) الموحي بان هناك ما جاء ما هو الا لبيان افتراءات المنافقين والكفار التي يذهبها الله بالتشريع والوقوف على اوامره واجتبناب نواهيه .

‫ان كل من ذهب بالآية الى ما وراء هذا المعنى العظيم قد تعنت وشذ مهما كان منه.. فلا مخرج لنا عن هذا الاصل وان ثبتت الروايات وتعددت في بيان ماهية اهل البيت .

‫لقد استغلت طوائف هذه الاية وأوَّلوها بحسب اهوائهم ونحن نكرر ما ذكرنا هنا..

‫ان الآية في سياقها واضحة وضوح الشمس فهي بيان لما يجب على البيت النبوي ومن ثم المسلم تجاه القيم

‫لا بيان من يدخل في آل البيت وهو مصطلح ليس له اصل الا انه يشبه (آل محمد).. والأصل ان نقول (أهل البيت) كما ورد في الآية.

– ‫القضية السادسة (واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة).

‫ان تعليم الناس الخير من لوازم الالتزام به.. فلما كان الطهر والعفة والقرار في البيوت مطلوبا صار تثبيت العلم في الصدور مطلوبا ايضا.

‫لذا جاء الامر بذكر ما يتلى في بيوت نساء النبي صلى الله عليه وسلم من القرآن ونقله للناس.

‫ان آيات الله والحكمة هي الوصف الدقيق لكتاب الله ؛ وقولنا انه الكتاب لاقترانه بالتلاوة (ما يتلى).

‫هو آيات احكام وعقيدة وقصص وهو حكمة في دروسه وتأمله وتدبره وما نستفيد منه .

أعظم ما استفدت

‫إن التدريس من أعظم المعينات على الحفظ والتذكير وعلى العلم والعلم (مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللَّهِ وَلَٰكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ) آل عمران ٧٩.

ملحوظة هامة.. لم نأت في هذه الحلقة الا على نزر يسير من فيضها الغزير وعدلنا عن الكثير من الخلافات والمتشابهات والفقهيات خشية التنفير والتغرير.. لذا اقتضى التنويه والتذكير.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.