أسرة وطفل اجتماع مختارات مقالات

من العزلة الاجتماعية الى الحجر اللاصحي

التوحُّد:
من العزلة الاجتماعية إلى الحجر اللاصحي

بقلم/ أ. نادية حرفي – المغرب
باحثة في السوسيولوجيا ومتخصصة في الشؤون الاجتماعية وقضايا النوع الاجتماعي

نادي الحرفي

يندرج التوحد في إطار الإعاقات الذهنية، وهو اضطراب نمائي تظهر علاماته الأولى بعد سن الثالثة، حيث يلاحظ الأهل مجموعة من المظاهر على رأسها فقدان رصيد التعلمات واللغة التي اكتسبها الطفل في الثلاث سنين الأولى، صعوبة تكوين علاقات تواصلية مع المحيط، اضطراب الانتباه، فرط في الحركة، حركات نمطية متكررة، المشي على رؤوس الأصابع، اضطرابات حسية، ومشاكل العزلة.

وهو الأمر الذي يدفع بالأسر إلى مسارات متعددة ومعقدة، تنهل من السجلات المتعددة المشكلة للإدراك الفردي والجماعي للصحة والمرض، حيث تبقى الكلمة الفصل في تشخيص الاضطراب للطب المتخصص.

ويبقى التشخيص المبكر واعتماد أساليب تأهيلية وتعديل السلوك في إطار مؤسساتي من أهم الخطوات الدامجة للأطفال وأسرهم في سبيل تحقيق الاستقلالية والتواصل فعال.

إذا كانت السمة الأساسية للشخص التوحدي هي العزلة والانغلاق على الذات، كمظهر من مظاهر الاضطراب النمائي، فهي تمتد إلى شكل قهري من العزلة الاجتماعية يفرضها المجتمع عليه بالدرجة الأولى، وعلى أسرته.

في مجال الإعاقة عموما، يظهر المجتمع المغربي، كمجتمع الوصم والاختلاف، مجتمع المماثلة أيضا، حيث تمارس الانتقائية على أساس المنافسة والسرعة والكفاءة، وحيث تجد المزايدات الدينية والتخمينات الغيبية (الإعاقة كابتلاء إلهي، أو تكفير عن ذنب، …) مرتعا من أجل تكبيل الأسر وثنيها عن الاحتجاج والمطالبة بالحقوق.

وهذا ما يجعلنا ونحن في ظروف الحجر الصحي والذي أظهر جليا حجم التفاوتات أمام الصحة والمرض والإعاقة، وبعد استنفار مجتمعي داع إلى التضامن من أجل البقاء وتحرك فعاليات حكومية ومجتمع مدني لحماية الفئات الهشة وتوفير الحماية من العنف الأسري المحتمل بخطوط اتصال للتبليغ وغيرها من الإجراءات التي تحيلنا على الحجر الخطر والبيت اللاآمن.

نسلط الضوء لصرخات مكتومة للأسر المتعايشة مع التوحد (ما بين 300.000 و400.000 شخص توحدي بالمغرب حسب منظمة الصحة العالمية)، وهي أسر كانت ولاتزال تعيش حجرا دائما ولا متناهيا لم يبدأ ولن ينتهي مع ظروف الحجر الصحي، بل هو حجر سمته الإقصاء المجرد للشخص التوحدي من حقوقه الإنسانية والكونية في العيش باختلاف.

وحتى لا نرتاح للخطابات السعيدة الداعية للمكوث بالبيت، والتي يروج لها إعلامنا بقوة لأسر تقوم بأنشطة القراءة والطبخ وعزف الموسيقى.

في محاولة لقولبة نموذج الأسرة السعيدة، ناسية أو متناسية نماذج أخرى من الأسر هوى عالمها بمجرد غلق الأبواب، حيث فقدت بوصلة الروتين المؤسس لبرنامج تعديل السلوك، والمتخصصون والأهالي يعرفون الجهد المبذول من التكرار وإعادة التكرار لترسيخ سلوك عند شخص توحدي. هذا الأخير، والذي قد لا تسعفه قدراته الادراكية لفهم هذا الشرخ المفاجئ الذي قطع الالتقاء الحميمي والتواصلي مع سلسة مترابطة من المتدخلين معه يوميا والذين يشكلون عالمه ومراجعه وهم الفريق الطبي وشبه الطبي، المرافقة والمربيات المتخصصات والأصدقاء.

الاضطرابات الحسية، القلق ونوبات الفزع، العنف والعنف المضاد، أسر على صفيح ساخن حرموا النوم ويعيشون أمام خيارات محدودة أهمها الأدوية المهدئة وانتظار مرور النوبة في انتظار أخرى تستنزف قواهم وقدراتهم، في غياب تدخل مباشر لمتخصصين قادرين على احتواء النوبات خصوصا وأن لكل شخص توحدي برنامج خاص يواكب خصوصياته الإدراكية وحالته الصحية.

الأهل المتعايشون مع التوحد، يحتاجون إلى المساندة والإرشاد لتدبير المرحلة وما بعدها، والأجدر أن يتمتعوا بإجراءات خاصة تراعي الحاجيات الملحة لأطفالهم، من قبيل الحق في النزهة والتمكين من خدمات استعجالية بالمنزل وغيرها من الإجراءات التي تخرجهم من لا مرئية الأولويات الى فئة مجتمعية ذات حق في العيش والأمن والكرامة.

Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.