دين مختارات مقالات

الحلقة الثانية عشرة من سلسلة أنيس الأصحاب من سورة الأحزاب

كتب الأستاذ إياد الخندقجي:

قال تعالى (‫يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا 28 وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا ٢٩ يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا 30 وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا 31) .

مناسبة الآيات

‫قَالَتْ عَائِشَةُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: أُنْزِلَتْ آيَةُ التَّخْيِيرِ فَبَدَأَ بِي أَوَّلَ امْرَأَةٍ مِنْ نِسَائِهِ، فَقَالَ: ” إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا، فَلَا عَلَيْكِ أَلَّا تَعْجَلِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ ” قَالَتْ: قَدْ عَلِمَ أَنَّ أَبَوَيَّ لَمْ يَكُونَا يَأْمُرَانِي بِفِرَاقِهِ قَالَتْ: ثُمَّ قَالَ: ” إِنَّ اللَّهَ قَالَ: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ) الْآيَتَيْنِ قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ: أَفِي هَذَا أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ؟ فَإِنِّي أُرِيدُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ ثُمَّ خَيَّرَ نِسَاءَهُ كُلَّهُنَّ، فَقُلْنَ مِثْلَ مَا قَالَتْ عَائِشَةُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ (البخاري ومسلم)

التفسير

‫إن الاحزاب عززت الأمن الداخلي للدولة وقضت على قوة الكفار وكيد المنافقين وخيانة اليهود.. فبات من اللازم تعزيز الجبهة الداخلية للمسلمين بداية من بيت القائد رسول الرحمة عليه الصلاة والسلام

‫تبدأ الآيات بذاك التخيير اللطيف لزوجات الرسول عليه الصلاة والسلام والوارد في مناسبة الآيات (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا)

‫ تربية لزوجاته عليه الصلاة والسلام وتعزيزا للسعد والسلام الداخلي في كل بيت مسلم

‫إما الدنيا وزينتها ولكُنّ الطلاق الجميل

‫وإما الآخرة مع الله ورسوله ولكن الأجر العظيم

‫(فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما) .

‫ومن أجل هذا وبعد ان علم بداهة أن أمهات المؤمنين اخترن الله ورسوله تبدأ المسيرة التربوية من تعزيز العفة في البيوت (يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ) .

‫مع تغليظ القول فيما يختص بالقائد إذ هو القدوة.

‫ثم بالتعزيز الايجابي لكل فعل حسن يقصد به وجهه سبحانه بإخلاص وتبتل (وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا) .

أنيس الأصحاب

‫في درس استثنائي جرى في مسجد مقر العمل اجتمعت والأحباب نتدارس هذه الآيات:

– ‫بدأ المدير بالسؤال فقال: تقولون إن تعزيز الجبهة الداخلية هي القصد من التخيير.. أما كان من طريقة أخف وطأة على أمهات المؤمنين لتعزيز بيت القائد !؟

‫نعم،، افهمك.. ان الاحزاب وشدتها وما كان من المنافقين في سياق هذه السورة مع خصوصية بيت الرسول صلى الله عليه وسلم بعد وضوح الرؤية فيما يخص البلاء المتوقع بشأنه والكيد المرصود.. جعل من المناسب ان يكون الاجراء بهذه الشدة.. كما أن قائدا بهذا الحجم وفتوحات باتت مقدمة للغنائم والسعة ناسبت أن تلجم مداخل الشيطان بهذا الأسلوب.

– ‫تساءل زميلي عن (فتعالين..) في سياق آية التخيير.. فمثلا ؛ لو قيل: ان كنتن تردن الحياة فخذوها.. ربما كان أخصر !!

‫قلنا.. إن هذا الأمر اللطيف (تعالين..) يفهم منه التخيير العادل.. فهو ليس موحيا بالقسوة او الشك ولا هو ملجئ لاختيار فيه تأفف أو نفور.. تعالين بكامل ارادتكن ولأضمَن لكن طلاقا وفراقا جميلا لا ظلم فيه ولا قسوة

– ومن لطائف الآيات ما اضاف اخ كريم حول الفرق بين السراح الجميل وغير الجميل.. نقول:

سمي الطلاق سراحا من التسريح وهو فك القيد والأسر.. والجميل منه ما كان في طهر ولا تعسف فيه ولا اضرار ولا منع حق..

ولو نظرنا (لمعنى هذا المعنى) لوجدنا كم هو شفاف هذا الخطاب..

فبعد (تعالين) الذي يفيد التخيير الارادي تاتي لفظة (سراحا) التي تفيد التحرر الذي يمكن تصوره في حال رغبة احداهن بالتسريح..

تخيل وقع كلمة اتخلص منكن او ابين عنكن او افارقكن.. مثلا.. مقارنة ب (أسرحكن) !!؟ يا الله ما ابدعها

– تساءل زميلي عن إقحام (المحسنات) في قوله تعالى (فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما).. ألسن محسنات كلهن؟ !

أقول.. بل إن في ذكرها روعة فريدة.. فنحن لازلنا في التخيير وكما علم في اللغة فان (من) في (منكن) التي تعلقت ب (المحسنات) هي للتبيين.. وهذا يعني ان كلهن محسنات.. وقد اشتبه السياق بالتبعيض لبيان هذا التخيير الارادي..

مرة اخرى.. لنتخيل انه قال فان الله اعد لكن.. ربما لفهم الجاؤهن بالضرورة لخيار الله ورسوله والدار الآخرة.

– فهمنا القصد من (الله ورسوله) وان تعظيم الرسول باقترانه بلفظ الجلالة لاجل بيان ان طاعة الرسول من طاعة الله.. ولكن فيم جاءت (والدار الآخرة) في سياق فريد في الكتاب !؟ تساءل أحدهم.

إن الزينة والغنيمة والميراث الالهي الممنوح للمنتصرين بعد غزوة بني قريظة يجعل هذا التخيير مناسبا جدا.

فأنتن تخترن الطاعة الدينية وصف الشرع كما انكن تربأن بانفسكن عن طمع دنيا لآخرة آجلة.. هكذا سيكون التخيير منصفا عادلا تاما كاملا.

– وقد انتبه زميلي لهذا النداء الفريد (يا نساء النبي) لنقول من بعد إن هيبة هذا النداء توحي بأن ما يشرع بشأنهن لكونهن (نساء النبي) لا امهات مؤمنين ولا عالمات انما هو ايذان بالاقتداء بهن في كل النساء.

– ثم تدخل المدير قائلا: وهل تتصور الفاحشة في نساء النبي حتى ينهاهن الرب عن الفاحشة (من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين) !!؟

قلت: إن الطاهرات العفيفات الكريمات هن نساء النبي صلى الله عليه وسلم ابتداء ولا يتصور فيهن هذا طبعا.. والا فان قيمة النبوة ستنطفئ.

لكنها التربية بهن… فإن كان الأطهر قد نبه وجعل عقابه ضعفين فمن باب أولى أن ينبه سائر جنسهن..

هذا مفهوم ومعقول وجميل جدا

وأجمل منه أن كمال الرب في تشريعه للقوانين الضابطة للمجتمع بات واضحا جدا إذ يقول (وكان ذلك على الله يسيرا) فلا نجاة من عقاب الله لأي كان.

– تساءلت… هل الضعفان هنا عنت مثلين أو ثلاثة او أربعة أمثال لاننا نعلم ان الضعف مثلان !؟

ليس بالضرورة ان يكون ما علمنا هو الصواب فالضعف في اللغة الزيادة من مثل الى ما يريد به المتكلم..

قال تعالى (فَأُولَٰئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ) سبأ.

وهذا يعني ان التضعيف قد يكون زيادة ثلاثة امثال الى ما لها أصلا.

ثم ان من قراءات الآية (نضَعِّف) مكان (يضاعف) وعليه فان السياق سيدل على المثلين بلا شك.

كما ان قوله تعالى (نؤتها أجرها مرتين) في الآية التالية دليل ان المقصود مثلين.

لست ابالغ ان قلت ان التضعيف هنا قد يعني امثالا كثيرة مقارنة بما لمكانة المعاقب من قيمة وانما ذكرت (ضعفين) للتنبيه الى الزيادة.

فالضعف الاول وقد يكون امثالا.. للفاحشة

والضعف الثاني وقد يكون امثالا.. للمكانة.

– ثم سأل زميلي وما المقصود ب (يقنت منكن) وما سر التذكير في اللفظ (يقنت)؟

القنوت معناه الدوام على الطاعة وثوابه مرة على الطاعة واخرى على طلب رضا الرسول صلى الله عليه وسلم (مرتين).

أما تذكير (يقنت) والمخاطب نساء فلأن السياق ركز على الفعل في (يات منكن بفاحشة) و (يقنت) لا على الشخص..

فالعقوبة او المثوبة على الفعل بغض النظر عن الشخص..

وان قلنا: من تقنت منكن… لظن ظان ان هناك قصد لاحداهن او مثلا: من تات منكن بفاحشة.. لتوهم أحدهم ربما ان هناك قصد لاحداهن..

فعلى القنوت لا قصد لاحداهن فكلهن مقصود وعلى الفاحشة لا قصد لاحداهن إذ كلهن بعيد عنها.

أعظم ما استفدت

إن البيت الصغير (دولة المؤسسات).. حين يصلح فان صلاح الدولة تم..

وإن انهدم بنزع العفة وحسن الخلق كان بمثابة السوس الذي ينخر من الداخل حتى تنهدم الدولة

وللحديث بقية إن كان في العمر بقية

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.