ادارة و اقتصاد دين مختارات مقالات

تكدس أموال الغنائم وأثرها على المجتمع في صدر الإسلام

كيف أسهمت أموال الغنائم في تمكين المجتمع المسلم؟

بقلم ا. محمد عبد العاطي – مصر

لم يتوقع القارئ لكتاب “الفتنة: جدلية السياسي والديني في الإسلام المبكر” لمؤلفه المفكر الكبير هشام جعيط تكدس الثروات بأيدي المقاتلين المسلمين في صدر الإسلام بهذا الكم، والذي كان أحد أسباب تغير النفوس والقيم والسلوك والتطلعات والطموح ومن ثم الموقف السياسي المترتب على ذلك كله.

والأصل الشرعي في تلك الثروات قبل الحديث عن بياناتها، أن المحارب في الإسلام الذي يشترك في الجيش الذي تسيره دولة الخلافة للاستيلاء (لفتح) هذه الدولة أو تلك، له أربعة أخماس ما يحصل عليه من الغنائم، أما الخمس الخامس فيذهب إلى الخزينة العامة للدولة المعروفة ببيت مال المسلمين. وذلك استنادا إلى قول الله: وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ..[الأنفال:41]

فهذه هي الغنائم الناجمة عن القتال، أما الأموال المتحصل عليها دون قتال من تلكم البلدان فتسمى الفئ، وتذهب كلها إلى بيت المال يجتهد ولي الأمر في انفاقها على المصالح العامة وفق تقديره، عملا بقول الله: مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ.. [الحشر:7]

واستنادا إلى ذلك فقد تكدست، كما قال هشام جعيط، الأموال وأحدثت ما أشرنا إليها.

وقد أورد المؤلف بعض الأرقام للدلالة على حجم تلك الثروات (ص ٦٠ – ٦٥)، وكان مرجعه في ذلك تاريخ الطبري والمسعودي وغيرهما من المصادر المعتبرة في التأريخ الإسلامي:

طلحة بن عبيد الله: كان من أكثر الصحابة ثراء، وقد ترك عند وفاته أملاكا منقولة تقدر ب ٢٫٢٠٠٫٠٠٠ درهم و ٦٠٠٫٠٠٠ دينار ذهب، وكانت له دور وضياع في الكوفة والمدينة، ما جعل إجمالي ثروته تقدر بحوالي ثلاثين مليون درهم.

الزبير بن العوام: كان الأغنى بين الجميع، إذ قُدّرت ثروته على اختلاف بين المؤرخين ما بين ٣٥ مليونا، إلى ٤٠ مليونا، إلى ٥١ مليون درهم. وكان يقوم بالاقتراض من بيت المال للاتجار، وبعد وفاته تعين على ورثته إرجاع قروض بمبلغ ٢٫٢٠٠٫٠٠٠ درهم على بضعة أعوام. وكان هذا الصحابي يمتلك فضلا عن الضياع والأراضي والحدائق ١١ دارا في المدينة، وداران في الكوفة والبصرة ودارا في مصر وعقارات أخرى في الفسطاط والاسكندرية.

عبد الرحمن بن عوف: ترك وراءه ألف جمل، وثلاثة آلاف رأس غنم، ومئة حصان، وأرض سقوية (يُجلب إليها الماء لريها) ذات مساحات كبيرةً وسبائك ذهبية وصف طريقة توزيعها ابن سعد في طبقاته بأنها كانت تُكسّر بالفؤوس، وأنه باع نصيبه من أرض بني النضير التي وزعها الرسول على المهاجرين بأربعين ألف درهم، وباع قطعة أرض أخرى بمبلغ مساو لعثمان بن عفان.

ويستمر الكاتب في تعداد أسماء المقاتلين المشهورين من الصحابة وما آلت إليهم من أموال، ليخلص إلى النتيجة التي أشرنا إليها آنفا، وهي أن تلك الأموال كانت دافعا للفتح وكان الفتح سببا في الحصول عليها، فضلا عن الدوافع والأسباب الدينية المعروفة باعتباره جهادا في سبيل الله ورفعا لراية الدين وغير ذلك مما هو متداول في تسويغ تلك المعارك، كما كانت سببا في تغيير اجتماعي ومفاهيمي وقيمي كبير، أدى إلى اتخاذ مواقف سياسية بناء عليه، كما يقول المؤلف في كتابه.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.