مقالات

الأردن – الولايات المتحدة: انتباه

كتب الدكتور وليد عبد الحي:

الأردن – الولايات المتحدة: انتباه

تشكل البراغماتية آلية تاريخية للولايات المتحدة في إدارة علاقاتها الدولية،وليس صحيحا أن للولايات المتحدة معايير مزدوجة، فمعيارها المركزي هو براغماتيتها، فهي لا تنظر للمواقف السياسية من منظور قانوني(كما نراها نحن ونتهمها بالازدواجية)، بل تراه من منظور براغماتي، بل إن حكم العقل الأمريكي على أي موقف ينطلق من المسلمة البراغماتية القائلة أن الفكرة صحيحة بمقدار النفع المترتب عليها، وقد لخص الفيلسوف الأمريكي جون ديوي هذه المسألة إلى حد أنه قال “إذا كانت فكرة الله مفيدة ،فالله موجود،وإذا كانت فكرته غير مفيدة فالله غير موجود”.

استنادا لهذا التصور الاستراتيجي، على السياسة الأردنية أن تتخلص من الإفراط في الطمأنينة للدعم الامريكي، وعليها أن تبحث عن خيارات أخرى وبحساب دقيق يزن الامور “ببيض النمل”، فالمنطقة العربية تشهد تحولات عميقة تمس نخاع هيكلها العظمي، وهو ما قد يجعل الأردن في دائرة مساومات جيوسياسية من ناحية وجيواستراتيجية من ناحية اخرى، فالمنطقة تشهد خلخلة البنى الاجتماعية في بعض الدول، ونزعات الفدرلة لدول أخرى،وانتقال التحالفات مع القوى المحلية في دول ثالثة، واستخدام المعونات الاقتصادية للبعض الآخر لتكييف سياساتها كما يريد صاحب المعونة، والنوم في “عسل” الوعود الأمريكية بالحماية للبعض الخامس.. كلها تجسد في سياسات لا بد أن تشكل لصانع القرار الأردني لا جرس إنذار بل صفارات مدوية، فقد تخلت الولايات المتحدة عن فييتنام الجنوبية في أشد اللحظات حرجا لهذه الدولة إلى الحد الذي دفع رئيسها للقول “ليس هناك من غباء كالثقة في الولايات المتحدة”، وتركت واشنطن شاه إيران هائما لا يدري أين يعالج حتى أنقذه حاتم الطائي العربي، وبينوشيه الذي يعده كل المؤرخين المعاصرين الأكثر وفاء للولايات المتحدة في التاريخ التشيلي، وساهمت الولايات المتحدة في طرد تايوان من الأمم المتحدة وقطعت علاقاتها الدبلوماسية معها بعد صفقة معروفة مع الصين رغم تاريخ العلاقات الوثيقة بين الدولتين، وتركت ساكاشفيلي في جورجيا يواجه الروس وحده عام 2008 رغم كل خدماته للاطلسي، وكذا الحال مع حسني مبارك، وزين العابدين…..الخ، وها هي اليوم تقول للاكراد اذهبوا لنابليون ليدافع عنكم….بل إن اسرائيل وفي أكثر من واقعة تجسس لا تطمئن للمواقف الأمريكية رغم كل الخدمات الامريكية لاسرائيل …الخ.

إن التحالف الأمريكي الصهيوني يضع القضية الفلسطينية على المرجل،فهل أعد الأردن بدائله الاستراتيجية للتعامل مع احتمال اتخاذ قرار من هذا التحالف لحل القضية الفلسطينية على حساب الاردن؟ وهو الحل الذي يتبناه اليمين الإسرائيلي ولا يمانعه اليسار إلا في الكيفية لا في المضمون؟ ومثل هذا الحل يشكل خسارة أردنية وفلسطينية مطلقة،ومكسبا إسرائيليا مطلقا..ولعل رخاوة البيئة العربية تغري المخطط الصهيوني على وضع مثل هذا الحل على الطاولة في المرحلة المناسبة….والاختبار الحقيقي للنخب الأردنية والفلسطينية في القدرة على بلورة استراتيجية طويلة الأمد للتصدي لمثل هذا المشروع الذي ازعم انه الخيار المفضل لدى المخطط الإسرائيلي.

أكرر ما قاله الاستراتيجي الألماني “مولتكه” القائد العسكري لبسمارك ، إذ قال ” في كل مرة توقعت أن يأتيني العدو من إحدى الجهات الاربع، لكنه كثيرا ما جاء من الجهة الخامسة”…أي التي لم يتوقعها مولتكة..وعليه لا بد على الأردن الشروع في تفكير استراتيجي مستقبلي لتغيير تحالفاته قبل فوات الأوان، والتاريخ يدل ان أغلب مشاكل الاردن الكبرى كانت من حلفائه التقليديين…

اقرأ أيضاً:

فنون اختراع الأبطال
غضب أهل فلسطين
Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
وليد عبد الحي
الأستاذ الدكتور وليد عبد الحي؛ مفكر وباحث وخبير في الدراسات المستقبلية مستشار للمجلس الأعلى للإعلام لشؤون البحث العلمي وأستاذ العلاقات الدولية ورئيس قسم العلوم السياسية في جامعة اليرموك الأردنية منذ عام 1994م، وشغل في الفترة 1982-1994 محاضراً في جامعة الجزائر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.