دين سياسة عروض كتب مختارات مقالات

كتاب جدلية الدين والسياسة في الإسلام المبكر

الفتنة: جدلية الدين والسياسة في الإسلام المبكر –
هشام جيعط

بقلم/ أ. محمد عبد العاطي

يعود المؤرخ والمفكر التونسي هشام جعيط (1935 – ) في هذا الكتاب إلى الفتنة التي أدت إلى مقتل عثمان ومن بعده علي وابنه الحسين واستيلاء معاوية على السلطة وتوريثها لأولاده.. باعتبارها، كما يقول، الفترة التاريخية الأكثر إثارة على غرار الثورات الكبرى التي هزت البشرية، من حيث أبطالها المتصارعين وقيمها وخطابها، ولأنها أدخلت الديني في عالم الصراع السياسي. ولكونها لم تكن تعبيرا عن مطامع دنيوية فجة (الاعتراض على سوء إدارة عثمان للدولة والمال العام بحسب الكاتب) بل كانت تحتوي مبادئ وأفكارا ومطالب، وكانت بمثابة ثورة داخل الإسلام الذي هو في حد ذاته وفقا لتعبير هيجل “ثورة الشرق”.

في هذا الكتاب يستعرض هشام جعيط السياق السياسي والاجتماعي والاقتصادي والفكري والتاريخي والديني الذي ولَّد عوامل الفتنة وأسبابها ومسبباتها. ولم يبدأ من عصر عثمان بن عفان الذي فيه وقعت الفتنة وإنما عاد قليلا للوراء حيث ظهور الإسلام ونشأة دولة المدينة بقيادة النبي محمد (ص) ودور الجيش الذي أسسه لمباشرة الجهاد داخل شبه الجزيرة العربية وتوسعة مهام هذا الجيش من بعد وفاته على يد الخليفتين أبي بكر وعمر.

فمن هذه الزاوية تحديدا، علاقة الدين بالسياسة كما بدت في دولة المدينة، وعلاقة ذلك بالحرب والقتال والغزو والمعارك التي انتهت بالاستيلاء –على حد تعبير الكاتب- على الهلال الخصيب (العراق والشام) وجزء كبير من بلاد فارس بعد زوال دولتهم، فضلا عن الاستيلاء على مصر، وما تبع ذلك كله من تدفق هائل للثروات سواء على الأفراد المقاتلين وأسرهم وعائلاتهم أو على الخزينة العامة للدولة في المدينة (بيت المال) وتعزيز سلطة الخليفة باعتباره مسيّرا للجيوش، فاتحا للبلدان، جامعا للخراج، مقسّما له على المستحقين من الجنود والسابقين في الإسلام بحسب رتبهم ودرجاتهم.

وتنبع أهمية الكتاب من تقديمه رواية للإسلام دينا وتاريخا انطلاقا من نقطة الصفر.

خيط بدأ يتكون أمسك به المؤلف واستعرض خيوطه المجدولة خيطا خيطا على المستويات الدينية والسياسية والاجتماعية، ليعرف القارئ كيف تطور هذا الإسلام من دين متواضع على الصعيد المادي ممتلئا بدلالات للمستقبل إلى إسلام وصفه بالكلاسيكي والمركب كما تشكل في بغداد وقرطبة وارتبط في المخيال الجماعي بحضارة ساطعة وثقافة كبرى.

والكتاب يسلط الضوء بوجه خاص على الأزمة السياسية والاجتماعية التي فجرت الفتنة وما حدث فيها من حرب أهلية شرسة استمرت منذ النصف الثاني من خلافة عثمان واستمرت متأججة حتى اغتيال علي واستيلاء معاوية على الحكم، وبقيت جمراتها مشتعلة تحت الرماد تتمظهر في جولات من النزاعات السياسية – الدينية في القرن الهجري الأول إلى إطاحة العباسيين بسلالة الأمويين وتأسيس تصور جديد لتوازن قوى أيدلوجية وإثنية مختلفة استمرت حتى القرن الثالث الهجري التاسع الميلادي إلى أن تم طرد العرب واستبعادهم من ساحة السيادة التاريخية.

يقول المؤلف إن ما حدث من فتنة في النصف الأول من القرن الأول الهجري قاد أهل السنة فيما بعد إلى إضفاء القدسية على كل تلك المرحلة حين أعلنوا الخلفاء الأربعاء كخلفاء راشدين ودعلوا قسما من عقيدتهم الاعتراف بهم جميعا في سياق تعاقبهم على الخلافة: أبو بكر، عمر، عثمان، علي. وهي ذاتها الظاهرة التي أدت إلى التشيع الذي لا يعترف إلا بعلي خليفة حقيقيا رافضا قبول الآخرين، وأدى إلى الخلاف السني الشيعي الذي نراه اليوم، كما أدى إلى بروز فرق أخرى كالخوارج المتواجدين في عُمان والجزائر وليبيا وتونس والذين لا يعترفون إلا بخلافة الشيخين أبي بكر وعمر قبل الفتنة، وتركيز السنة على فترة حكم الخلفاء وربطها بعهد النبوة أحاطها بهالة روحانية جعلت “الحكم الحقيقي” في المخيلة الجماعية والنموذج المحتذى هو حكم الخلافة الراشدة.

وليس الكتاب الذي بين أيدينا كتابا في التاريخ فحسب وإنما هو إعادة قراءة بغرض فهم جذور الجدل والسجال الذي لا يزال قائما وبخاصة منذ إلغاء مصطفى أتاتورك الخلافة عام 1924 وهو جدل له علاقة بعلمنة السياسة والدولة ولا يزال يشق الوعي الإسلامي الحديث إلى شقين كما يقول المؤلف: أنصار علمانية الدولة وأتباع إسلاميتها. والتي دفعت الشيخ علي عبد الرازق في العشرينيات من القرن الماضي إلى تأليف كتابه “الإسلام وأصول الحكم” الذي أراد فيه البرهان على كون الخلفاء الأربعة الأوائل قد تولّوا حكما سياسيا خالصا، لا علاقة له بالديني، إذ أن الديني يُحدَّد بوصفه علاقة بالله وقد انتهت هذه العلاقة مع انتهاء الوحي ووفاة النبي (ص).

ولم ينقطع هذا السجال حتى يومنا هذا، إذ يُرجع القائلون بعلمانية الدولة إلى تلك المرحلة (مرحلة الفتنة) لينفوا عن الخلافة (ما بعد الشيخين) طابع الهداية الدينية وبالتالي تسويغ أطروحة علي عبد الرازق وتبرير أطروحتهم.
وفي الاتجاه المعاكس يقف دعاة الإسلام السياسي معلنين أن الإسلام لابد أن يسوس العالم ويقدمون قراءتهم المغايرة.

من هنا ركّز الكتاب على فترة الفتنة وطرح جملة من الأسئلة وسعى للإجابة عليها: هل كانت بواعث الفتنة لها علاقة بصراعات سياسية أم دينية؟ هل كان الأمر متعلقا بمطامح من هذا الطرف أو ذاك بغية الاستيلاء على الحكم أم كان متعلقا بانفعالات دينية خالصة؟

ويخلص المؤلف إلى أن إجابة كل سؤال من هذه الأسئلة يعتمد على المرحلة التي تطورت إليها الفتنة؛ فالمقاتلون القارئون للقرآن كانوا يظنون أن قتالهم إنما هو في سبيل تطبيق أحكامه. بينما كشف معاوية في المرحلة الأخيرة من القتال عن مطامحه للوصول إلى الحكم. كذلك فإن عليًّا كان يدافع عن شرعية خلافته باسم سابقته في الإسلام، أي أنه كان ينافح عن سلطة سياسية باسم مقولات دينية.

ثم يختم المؤلف هذا الجزء من حديثه عن طبيعة تلك المرحلة بالقول إن السياسي والديني قد امتزجا معا. فالأمة آنذاك قد قامت على أساس دعوة دينية اسمها الإسلام وأصبح كل من المتنازعين له تأويله الخاص لما هو ديني بغرض توظيفه سياسيا. فالخوارج (القراءون) قتلوا عثمان اعتقادا منهم أنهم يطبقون فيه حكم الله بعد أن سار في الأمة على ما يخالف هدي القرآن وسيرة النبي وسلفيه أبي بكر وعمر، ثم بعد مقتله لم يكن لديهم تصور عن شكل وطبيعة نظام الحكم من بعده ولا المخاطر والتهديدات المحيطة به فأيدوا في البداية عليًّا ثم وقفهوا ضده وشكلوا حرب سياسي ديني كأول حزب سياسي ديني في الإسلام وهو حزب الخوارج.

وعلى الجانب الآخر كانت تقف قوى تاريخية أخرى متمثلة في معاوية وأتباعه في سوريا. فقد كان –كما يقول المؤلف- يحارب هو أيضا في سبيل فكرة مقنَّعة بحجاب الدين إذ لم يكن ثمة من يقاتل خلال الفتنة من أي من الأطراف المتصارعة دون معتقد أو قناعة. وقد سارت الأمور على النحو التالي:
– القرَّاء (الخوارج) يقتلون عثمان الخليفة الثالث ويعلنون تأييدهم لعلي خليفة رابعا مثل أغلبية الأمة ثم ينقلبون عليه بعد أن قبل بالتحكيم.

– عائشة أرملة النبي تثور مع الصحابيين البارزين طله والزبير ضد عليّ مطالبين بالثأر لعثمان ثم ينهزموا أمام علي.

– معاوية يدخل على الخط باسم المطلب عينه (الثأر لمقتل عثمان).

– لخوارج يغتالون عليَّا والأمة تزداد انقساما.

– معاوية ينتصر في نهاية المطاف وينتقل الحكم إليه وإلى عائلته.

أي أن قضية عثمان – يقول المؤلف – فازت في النهاية لكن المفارقة الأدهى والأشد أن النصر الذي حققه الفريق الذي رفع راية الثأر لعثمان قد انقلب عليهم وعلى الإسلام والمسلمين؛ فالخلافة التي ثار الخوارج لإصلاحها مما اعتراها في النصف الثاني من خلافة عثمان قد آلت إلى معاوية والأمويين وأصبحت ملكا متوارثا يفعل الحكام في أموال الأمة ما يشاؤون دون حسيب أو رقيب، وكان ذلك على حساب علي ابن الإسلام المحض الذي لا تقارن أحقيته بالخلافة لسابقته في الإسلام وتقواه وورعه بمعاوية وأولاده.. الأمر الذي أوجد بذورا لمطالب ومناعات ظلت كامنة تنتظر الظهور في موجات من التشنجات لم تنته. وهذا لا ينفي ما قام به بنو أمية في دولتهم من توسعة لحدود الإمبراطورية الإسلامية وإرساء قواعد الحضارة الإسلامية ومرتكزاتها.

على كل حال فهذه هي موضوعات كتاب “الفتنة: جدلية الدين والسياسة في الإسلام المبكر” ودوافع تأليفه ومنهج صاحبه في النظر إلى الأحداث والأشخاص وربط ذلك كله بما شهده التاريخ الإسلامي حتى يومنا هذا من تفاعلات لا نزال نشهدها انقساما مذهبيا وصراعا أيديولوجيا.

وربما الفائدة التي سيخلص إليها قارئ هذا الكتاب الذي بلغت صفحاته 337 صفحة والصادر عام 1991 عن دار الطليعة في بيروت أنه عقب الفراغ منه سيتسلح بأدوات منهجية تفيده ليس فقط في فهم ما جرى في الماضي وإنما في سبر أغوار ما يعتمل في مجتمعاتنا من أفكار أقعدتنا عن النهوض المنشود حتى الآن. سيعيد القارئ النظر في الهالة التي وضعها المؤرخون القدامى حول الإسلام والجهاد والخلافة والفتوحات وحول الشخصيات الفاعلة في تلك الأزمنة. سيظل يحترم ويقدر جهود الكثير منهم، لكنه سيعرف أكثر بواعثهم ودوافعهم، والأهم أنه سيتمكن من التمييز بوضوح ودقة بين ما هو ديني وما هو سياسي سواء وهو يقرأ القرآن ويتتبع السيرة وينظر إلى التاريخ الإسلامي من منشئه حتى الآن.

وقد نعود إلى ما أجملنا في هذا العرض بشيء من التفصيل وضرب الأمثلة إن تيسر لنا ذلك في الأيام المقبلة.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.