سياسة مختارات مقالات

ثقافة التطبيع العربي مع إسرائيل

ثقافة التطبيع العربي مع إسرائيل

بقلم الباحث: محمد زهير جنيد

ماجستير دبلوماسية وعلاقات دولية

ان الشرق الأوسط كمشروع استعماري لم يغب يوماً منذ عقود من التفكير الاستراتيجي لدى الساسة الأمريكيين و”الإسرائيليين”، ولكن الأولويات تأخذهم بعيداً، دون أن تنفي العودة إلى مشروع الشرق الأوسط الجديد، وبعد أن انطوت طبعات مشروع الشرق الأوسط القديم، بدءاً من مشروع حلف بغداد عام 1955 بين العراق وإيران وتركيا وباكستان في مواجهة الشيوعية، ومحاولة ضم لبنان إليه، إلى مشروع كونداليزا رايس “الشرق الأوسط الجديد” لإدماج “اسرائيل” في المنطقة، كان لا بد أن تختلف آليات وطرائق تدشين الشرق الأوسط الجديد، بعد أن واجهت كل طبعاته الملونة الفشل الذريع؛ فالأنظمة وحدها ليست ضامنة لبقاء هكذا مشروع، والقوة وحدها ليست قادرة على دفع هذا المشروع إلى الأمام، فيكون الحل هو اللجوء إلى سحر العامل الاقتصادي كمقرر ومحفّز عبر الدعوة إلى سوق شرق أوسطية تحدث موجات من التفاعلات التجارية والعلاقات البيئية بين الأنظمة العربية ودول المنطقة ودولة الاحتلال، وهنا يصبح التطبيع الرسمي والشعبي وسيلة أخرى في تشييد الشرق الأوسط الجديد الذي يلبي الحاجة والرغبة الأمريكية الاستراتيجية، والتي تتجلى في إدماج “إسرائيل” في المنطقة كشريك ومكوّن أساسي في سوق شرق أوسطية تكون مدخلاً وبوابة الدخول إلى مشروع الشرق الأوسط الجديد.

حيث يُضعف هذا السيناريو طبيعة الصراع وصيرورته التاريخية، ووجود فاعلين آخرين متمثلين بحركات المقاومة، والتي أصبحت أكثر قدرة وخبرة على إدارة الصراع، بالإضافة إلى غياب المصالح الاستراتيجية للدول المطبعة مع الاحتلال الإسرائيلي، وتعاظم مخاطر الهيمنة الإسرائيلية على دول المنطقة العربية.

ثمّة رابطٌ عجيبٌ في التزامن بين صعود محور الثورات المضادّة وتصاعد التطبيع مع إسرائيل، إذ هرولت النظم العربية الجديدة التي تصدرت المشهد عقب عام 2013 إلى التطبيع وقادت عربته، ونقلته من السر إلى العلن، كما شنّت تلك القوى حرباً مسعورة، ليس ضد بعض الفصائل السياسية الفلسطينية، أو فصائل المقاومة فقط، بل ضد القضية الفلسطينية برمتها وأصل الصراع فيها، وشكّكت تلك القوى والنظم في الرواية العربية الفلسطينية للصراع، لصالح تبنّي، بشكل أو بآخر، الرواية الصهيونية، والتي تقول إن الفلسطينيين هم من يذكون الصراع، برفضهم إحلال السلام والاستقرار، وهم من يمارس الإرهاب ضد إسرائيل، كما كان لافتاً رعاية تلك الأنظمة حملة تشويه للقضية والمقاومة الفلسطينيتين، عبر حملة ممنهجة في الإعلام الرسمي، وتوظيف جيوش من المغرّدين والناشطين عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

لم تكن هذه الموجة التطبيعية الخليجية مفاجئة بحد ذاتها، وإن كانت لافتة في تزامنها وتعددها ونوعيتها. ان مجموعة “إم بي سي” السعودية، ليس جديد عليها ان تقوم بالترويج للتطبيع مع إسرائيل، وهي سياسة يبدو أن المسؤولين السعوديين باتوا أكثر وضوحا في تبنيها خلال الأعوام القليلة الماضية. ونشر المعلومات المضللة التي يروجها للجمهور حول اضطهاد مزعوم لليهود العرب قبل منتصف القرن الماضي.

بعد سنوات من الربيع العربي، تبدو إسرائيل أقرب إلى ترسيخ علاقاتها مع جيرانها العرب أكثر بكثير من التوصل إلى حل ينهي الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي. وبتسارع التحولات الإقليمية، فتحت إسرائيل علاقات إقليمية متشعبة قد تكون قادرة على الاستفادة منها لتحقيق أكبر اختراق دبلوماسي لها منذ عقود.

Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.