دين فكر مختارات مقالات

المصلحة في ميزان الشريعة الاسلامية

الشريعة تهدف إلى تحقيق المصلحة؛ والمصلحة متغيرة، تقديرية، نسبية

بقلم ا. محمد عبد العاطي – مصر

للدكتور محمد عابد الجابري رأي ذكره في غير كتاب له، وما أراه إلا حلاً موفقا لإشكالية الدين والدولة والشريعة التي ما فتئت تثير جدلاً منذ عقود. يذهب الجابري إلى أن الرسول أقام دولة أو شبه دولة في المدينة، لكنه لم يكن ملكا ولا زعيما سياسيا، وإنما كان حتى وفاته نبيا رسولا، وأن قيادته لتلك الدولة والقرارات التي اتخذها في السلم والحرب كانت بطريقة أو بأخرى بوحي وإيحاء من السماء، ولذا فقد أبى أن يطلق عليه أصحابه كلمة ملك باعتبار الملك لله، ولما مات انقطع الوحي، وأصبحت الدولة تدار باجتهاد الخليفة الذي تولى بعد الرسول تُعرض عليه المسألة فينظر في كتاب الله وفي سنة رسول الله فإن وجد حكمها واضحا طبقه، وإلا اجتهد رأيه.

إلى هنا وكلام الجابري يمكن اعتباره من الكلام المعروف الذي لا جديد فيه، لكن ربما الجديد الملفت للنظر قوله في كتابه المهم الدين والدولة وتطبيق الشريعة إن الخلفاء الذي خلفوا النبي وآل إليهم أمر الدولة كانوا إذا نزلت بهم نازلة ووجدوا لها نصا يوافق ما يرونه مصلحة للأمة يطبقون النص، لكنهم إن رأوا النص لا يتوافق مع مصلحة الأمة التي قدّروها في حينه أجلوا العمل بالنص إلى ظرف آخر. كانوا يفعلون ذلك دون حرج ولا جدال ولا ادعاء من خصومهم أنهم عطلوا الشريعة أو خالفوا النص. ذلك -يقول الجابري- لأن الهدف من الشريعة جلب المصلحة ودرء المفسدة، والمصلحة والمفسدة أمور متغيرة بتغير الظرف، فما يكون مصلحة اليوم قد لا يكون غدا؛ فهي متغيرة وتقديرها يختلف من حاكم لآخر، أي أنها نسبية. وهذا لا يعني أن الشريعة متغيرة، فالمتغير والنسبي هو المصلحة التي يتم التعامل مع الشريعة وفقا لها.

ويضرب لذلك عديد الأمثلة، نكتفي بواحد منها فقط للاختصار. فقد كان تقدير أبو بكر أن مصلحة الدولة الوليدة تقتضي قتال مانعي الزكاة حتى يحافظ على هذا المورد المالي المهم للخزينة العامة من جهة وعلى الولاء السياسي للقبائل واستمرار خضوعهم لسلطة المدينة من جهة ثانية، فأصر على قتالهم رغم اعتراض عمر بن الخطاب الذي كان يرى أنهم غير مرتدين طالما لم أنهم يشهدوا الشهادتين ويقيموا الصلاة.

وانتهت حروب الردة بانتصار أبي بكر عليهم، فلما تولى عمر الخلافة من بعده، عاد إلى رأيه واجتهاده القديم، ورأى أن المصلحة تقتضي تهدئة خواطر رؤساء القبائل هؤلاء وكسب ودهم فرد إليهم اعتبارهم بالإفراج عن مسجونيهم ورد أموالهم والغنائم التي سلبت منهم.

ويعلق الجابري على ذلك (ص ٤٥،٤٤ ) بقوله إن الشريعة واحدة وثابتة لأنها إلهية المصدر ولكن تطبيقها متغير ونسبي لأنه مرتبط بطرق جلب المصلحة ودرء المفسدة؛ وهي أمور تقديرية.

وفي نهاية كتابه المشار إليه يقول إن هذا الجدل كله حول علاقة الدين بالدولة والشريعة ما هو إلا افتعال لمشاكل سنكون في غنى عنها ولا حيثية لها إذا ركزنا تفكيرنا على الحاضر لا الماضي ووجهنا جهدنا نحو المستقبل.

Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.