دين مقالات

سلسلة أنيس الأصحاب من سورة الأحزاب – ح11

الحلقة الحادية عشرة من سلسلة أنيس الأصحاب من سورة الأحزاب

قال تعالى (وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا ٢٥ ‫وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا 26 وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا 27)

مناسبة الآيات

رُوِيَ ‫أَنَّ جِبْرِيلَ – عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ – أَتَى رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – صَبِيحَةَ اللَّيْلَةِ الَّتِي انْهَزَمَ فِيهَا الْأَحْزَابُ؛ وَرَجَعَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى الْمَدِينَةِ؛ وَوَضَعُوا سِلَاحَهُمْ؛ عَلَى فَرَسِهِ الْحَيْزُومُ؛ وَالْغُبَارُ عَلَى وَجْهِ الْفَرَسِ؛ وَعَلَى السَّرْجِ؛ فَقَالَ: “مَا هَذَا يَا جِبْرِيلُ؟”؛ قَالَ: “مِنْ مُتَابَعَةِ قُرَيْشٍ”؛ فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَمْسَحُ الْغُبَارَ عَنْ وَجْهِ الْفَرَسِ؛

‫وَعَنْ سَرْجِهِ؛ فَقَالَ: “يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ إِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَمْ تَضَعِ السِّلَاحَ؛ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ بِالْمَسِيرِ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ؛ وَأَنَا عَامِدٌ إِلَيْهِمْ؛ فَإِنَّ اللَّهَ دَاقُّهُمْ دَقَّ الْبَيْضِ عَلَى الصَّفَا؛ وَإِنَّهُمْ لَكُمْ طُعْمَةٌ”؛ فَأَذَّنَ فِي النَّاسِ أَنْ مَنْ كَانَ سَامِعًا مُطِيعًا فَلَا يُصَلِّ الْعَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ”؛ فَحَاصَرُوهُمْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً؛ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: “تَنْزِلُونَ عَلَى حُكْمِي”؛ فَأَبَوْا؛ فَقَالَ: “عَلَى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ”؛ فَرَضُوا بِهِ؛ فَقَالَ سَعْدٌ: حَكَمْتُ فِيهِمْ أَنْ تُقْتَلَ مُقَاتِلَتُهُمْ؛ وَتُسْبَى ذَرَارِيهِمْ؛ وَنِسَاؤُهُمْ؛ فَكَبَّرَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ وَقَالَ: “لَقَدْ حَكَمْتَ بِحُكْمِ اللَّهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعَةِ أَرْقِعَةٍ”؛ ثُمَّ اسْتَنْزَلَهُمْ؛ وَخَنْدَقَ فِي سُوقِ الْمَدِينَةِ خَنْدَقًا؛ وَقَدَّمَهُمْ فَضَرَبَ أَعْنَاقَهُمْ؛ وَهُمْ مِنْ ثَمَانِمِائَةٍ إِلَى تِسْعِمِائَةٍ؛ وَقِيلَ: كَانُوا سِتَّمِائَةِ مُقَاتِلٍ؛ وَسَبْعَمِائَةِ أَسِيرٍ؛ ‫وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ؛ اَلْخَوْفَ؛ وَبِضَمِّ الْعَيْنِ “شَامِيٌّ وَعَلِيٌّ”؛ وَنُصِبَ ‫فَرِيقًا ؛ بِقَوْلِهِ: ‫تَقْتُلُونَ ؛ وَهُمُ الرِّجَالُ؛ ‫وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا ؛ وَهُمُ النِّسَاءُ؛ وَالذَّرَارِيُّ.‫ (تفسير النسفي)

التفسير

حين أنزل الله الريح والملائكة وقضى بهزيمة الاحزاب كفى المؤمنين القتال بان رد الاحزاب ومن والاهم من المنافقين واليهود متلبسين بغيظهم دون غنائم ولا نصر يذكر (ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا)

ثم ان اليهود من بني قريظة وكانوا قد خانوا عهدهم مع الرسول صلى الله عليه وسلم بموالاة الاحزاب و ذلك أن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا فَرَغَ مِنَ حفر الْخَنْدَقِ، أَقْبَلَتْ قُرَيْشٌ فِي عَشَرَةِ آلَافٍ مِنْ أَحَابِيشِهِمْ وَمَنْ تَبِعَهُمْ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ وَأَهْلِ تِهَامَةَ، وَأَقْبَلَتْ غَطَفَانُ وَمَنْ تَبِعَهُمْ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ، وَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُسْلِمُونَ، حَتَّى جَعَلُوا ظُهُورَهُمْ إِلَى سَلْعٍ – جبل بالمدينة – فِي ثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَضَرَبَ هُنَالِكَ عَسْكَرَهُ، وَالْخَنْدَقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقَوْمِ وَأَمَرَ بِالذَّرَارِيِّ وَالنِّسَاءِ فَجُعِلُوا فَوْقَ الْآطَامِ. وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَدِينَةِ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ.

وَخَرَجَ حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ النَّضَرِيُّ حَتَّى أَتَى كَعْبَ بْنَ أَسَدٍ الْقُرَظِيَّ صَاحِبَ عَقْدِهِمْ وَعَهْدِهِمْ، فَلَمَّا سَمِعَ بِهِ كَعْبٌ أَغْلَقَ بَابَ حِصْنِهِ دُونَ حُيَيٍّ، فَاسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ، فَأَبَى أَنْ يَفْتَحَ لَهُ، فَنَادَاهُ: وَيْحَكَ يَا كَعْبُ! افْتَحْ لِي. قَالَ: وَيْحَكَ يَا حُيَيُّ! إِنَّكَ امْرُؤٌ مَشْئُومٌ، وَإِنِّي قَدْ عَاهَدْتُ مُحَمَّدًا، فَلَسْتُ بِنَاقِضٍ مَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ، وَلَمْ أَرَ مِنْهُ إِلَّا وَفَاءً وَصِدْقًا. قَالَ: وَيْحَكَ! افْتَحْ لِي أُكَلِّمْكَ. فلم يزل به حتى فتح له، ثم لَمْ يَزَلْ يَفْتِلُ فِي الذِّرْوَةِ وَالْغَارِبِ حَتَّى نَقض عَهْد رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَلَى أَنْ أَعْطَاهُ حُيَيٌّ عَهْدَ اللَّهِ وَمِيثَاقَهُ: لَئِنْ رَجَعَتْ قُرَيْشٌ وغَطَفَانُ وَلَمْ يُصِيبُوا مُحَمَّدًا؛ أَنْ أَدْخُلَ مَعَكَ فِي حِصْنِكَ حَتَّى يُصِيبَنِي مَا أَصَابَكَ. فَنَقَضَ كَعْبُ بْنُ أَسَدٍ عَهْدَهُ، وَبَرِئَ مِمَّا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.(البداية والنهاية.. ابن كثير – بتصرف)

بعد هذه الخيانة ما كان من الرسول صلى الله عليه وسلم الا ان حكم فيهم بحكم الله (انظر مناسبة النزول) فنزلوا من حصونهم وقذف الله في قلوبهم الرعب وورث المسلمون ارضهم وديارهم واموالهم وقتل مقاتلوهم وسبيت نساؤهم وأولادهم.. ذلك الجزاء الحق على جريمتين.. الخيانة والحرب.

أنيس الأصحاب

في ليلة مقمرة في مزرعة الشيخ ناقشنا ابرز اللطائف في هذه الآيات:

– الأولى: أن الله كفى المؤمنين القتال بجنده فلم يغزهم الكفار في دارهم بل كان المسلمون هم من فعلوا.. في غزوة بني قريظة بعد الخندق مباشرة وفي خيبر وفتح مكة… ثم حنين والطائف وتبوك

– الثانية: قوله تعالى (بغيظهم لم ينالوا خيرا) بيان لحال المنهزمين.. والباء في بغيظهم للإلصاق اي متلبسين بغيظهم الذي بات ملازما لهم.. ثم (لم ينالوا خيرا) اي غير محصلين لأي خير فالنكرة (خيرا) في سياق النفي (لم) للعموم.. وهذا حقا ما حصل.. فلا نصر ولا غنيمة ولا حلف ولا صلح بل دمار وقتل وسبي وهلاك

– الثالثة: التذييل في الآية (وكان الله قويا عزيزا) ناسب الحدث ورأس الآية فهو القوي ذو القدرة الكاملة الذي لا يغلبه شيء وهو العزيز الشديد الممانع للغلبة.. ان السبك الدال على الاستمرار موح بالاطمئنان للمؤمنين فالله كان ولا زال وسيظل قويا عزيزا لا يغلب وهو معكم اينما كنتم.

– الرابعة: في قوله تعالى (وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم وقذف في قلوبهم الرعب) بيان لما كان من يهود بني قريظة حين تم القضاء عليهم في حصونهم.. ونلاحظ هنا.. (أنزل الذين) وقد استتر ضمير عائد على لفظ الجلالة ” الله ” عائد على الظاهر (وكان الله قويا عزيزا).. ولو تأملنا لوجدنا ان قرب الظاهر اغنى عن ظهوره مرة اخرى.. ومن زاوية اخرى فالاستتار كان لان ما جرى في جنح الليل وبصورة خاطفة اعتمدت عنصر المفاجأة ناسب الاستتار.

– الخامسة: قذف الرعب في القلوب تعبير قرآني فريد له هيبة وجلال لو تأملناه.. فالرعب فعل قلبي داخلي وقذفه هكذا من الخارج يعني التدخل في كينونة البشر.. ذاك الذي لا يكون الا لرب البشر.

– السادسة: وفي قوله تعالى (فريقا تقتلون وتأسرون فريقا) مقاربة عجيبة.. فقد قدم الاسم في القتل والفعل تقدم مع الأسر.. وما ذاك الا لان العناية بالقتيل لكونه قتيلا بغض النظر عن كيفية قتله.. اما الاسير ففعل الاسر هو المطلوب بغض النظر عن ذاك الاسير، فالأسر في حد ذاته نصر والقتل غنيمة وايما غنيمة.

– السابعة: ان التعبير ب (أورثكم أرضهم..) فيه ما لا يخفى من تلطف على المؤمنين فما غنموه لم يعبر عنه بالهبة او الاستيلاء بل بتمليك واضح كالميراث

– الثامنة: (وأرضا لم تطؤوها…) قد نذهب بها بعيدا الى حيث كل أرض فتحت بعد بني قريظة وقد تكون كما قال المفسرون ارض خيبر

أعظم ما استفدت:

اليهود أذل مخلوقات الله.. كتبت عليهم الذلة والمسكنة.. ومهما علوا واستكبروا سياتي يوم يردهم الله بغيظهم لا ينالون خيرا… تلك سنة دينية والسنة الكونية تنتظر القضاء.

Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.