دين مقالات

الحلقة العاشرة من سلسلة أنيس الأصحاب من سورة الأحزاب

الحلقة العاشرة من سلسلة أنيس الأصحاب من سورة الأحزاب

بقلم/ أ. اياد الخندقجي

قال تعالى (‫وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا ٢٢ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مِنَ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مِنَ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلا ٢٣ لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنْ اللَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا ٢٤)

مناسبة الآيات

‫ذكر السيوطي في الدر المنثور  ‫عن ‫ابْنِ عَبَّاسٍ  عن.. ‫وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ. قَالَ : إِنَّ اللَّهَ قَالَ لَهُمْ فِي سُورَةِ “الْبَقَرَةِ” : ‫أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ [الْبَقَرَةِ : 214]. فَلَمَّا مَسَّهُمُ الْبَلَاءُ حَيْثُ رَابَطُوا الْأَحْزَابَ فِي الْخَنْدَقِ قَالُوا : هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ. فَتَأَوَّلَ الْمُؤْمِنُونَ ذَلِكَ فَلَمْ يَزِدْهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا.

التفسير

تمضي الآيات في بيان أحداث غزوة الخندق فتعود لتجلية مشهد المعركة لدى المؤمنين فيذكر الرب جل وعلا بما كان من المؤمنين الذين عاهدوا الرب ان يصبروا حين البأساء.. انهم لما رأوا الاحزاب قد احاطوا بهم ما كان منهم الا ان نفذوا العهد وصدقوا الوعد (هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله).. نعم هذا اعلانهم وهذا تصريحهم.. ولم يزدهم هذا البلاء الا ايمانا بربهم وتسليما بقضائه

ثم يفصل الله تعالى في نتائج المعركة ومخرجاتها بالنسبة للمؤمنين المصدقين إذ ان منهم من نال الشهادة (من قضى نحبه) ومنهم من انتصر (ومنهم من ينتظر) وكلاهما ما انحرفوا عن مسار الجهاد والوفاء بالعهد.

انه المآل المحتوم لكل فريق.. فالذين صدقوا سيجزيهم ربهم جنات بسبب صدقهم والذين كذبوا سيجزيهم ربهم جهنم بما نافقوا وكفروا وكذبوا… ويتوب الله على من تاب فهو الغفور الرحيم

أنيس الأصحاب

بعد صلاة المغرب وفي مسجد الحي جلسنا نتأمل هذه الآيات بعد تفسير للمعنى الإجمالي فوقفنا على هذه اللطائف:

– قوله تعالى (قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله…) اشارة لما لم يُسَمّ.. فلا هم قالوا عنه فتنة ولا بلاء ولا جمعا ولا هزيمة.. انهم سموه (هذا) ليدل على كل ما يمكن ان يخطر ببال.. فهذا فعلا ما كان وهذا فعلا ما استطاعوا التعبير به..

– لكنه كان ما وعد الله ورسوله حين نبههم الرسول صلى الله عليه وسلم لشر الاحزاب وتجمعهم عليهم… ان (هذا) دلت على كل وصف يمكن ان يوصف به موقف عصيب ك (هذا)

– عن سر تكرار (الله ورسوله) في قوله تعالى (‫وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُه) نقول :

إن لهذا التكرار من عظيم الهيبة ووقعها على النفوس ما لا يخفى على متأمل ؛ فالمؤمنون لما رأوا الاحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله.. ثم تأملوا وراجعوا ارواحهم المفعمة بالفجاءة حتى عاشوا في جو من التقديس آخر الزمهم بهذا التكرار.. (وصدق الله ورسوله) ولو قال قائل ان الجملة تامة لو قالوا وصدقا.. لقلنا لهم.. وهل نقصر في بركة الذكر مرة اخرى !!؟

اذن.. فالتكرار ليس موجودا.. هو موقف جديد وجو جديد وبركة ليس يزهد فيها

– يوحي قوله تعالى (وما زادهم..) ان هناك ما يمكن استنتاجه مما اكتسبوه اصلا ليزيد

ان المعنى الحاصل هنا هو ان المومنين كانوا قد توقعوا وحذروا من الاحزاب ولاجل هذا اعدوا عدة من الايمان والصبر والتسليم.. فلما راوهم حقيقة ما زادهم هذا الموقف الا ايمانا على ايمانهم وتسليما مع تسليمهم.

– نلحظ تعبيرا عظيما في بيان قيمة الرجال حين قال ربي (من المؤمنين رجال..)

تقديم الجار والمجرور (الخبر) على عامله (المبتدأ) يفيد التخصيص وبيان الاهمية فالتركيز على الرجولة لم يسبق الايمان.. انهم مؤمنون ثم إن منهم رجالا.. أما صفاتهم فذكرت من بعد :

صدقوا ما عاهدوا الله عليه… وبالرغم من كونهم عاهدوا الرسول فان توثيق العهد وعظمته جعلته كمن عاهد الله ثم انهم الان في عقد مباشر بين رجال وربهم

ان الرجال الرجال هم المومنون الصادقون مع ربهم.. حينها سيكون منهم شهداء ومنتصرون وكلاهما ليسوا اوليك الرجال الذين لم يبدلوا ولم ينحرفوا ولم ينجرفوا ولم تقتنهم فتون المال والشهرة والشهوة..

انهم مهما تحولت الظروف لم يبدلوا.. لأجل هذا جازاهم ربهم بصدقهم ما يستحقون

– الجزاء المبين هنا (ليجزي الله الصادقين بصدقهم..) يعني ان الصدق سبب للجزاء وان لم يظهر فقد دل عليه (ويعذب المنافقين..) طبعا بعد ان يجازيهم بكذبهم.. وقد مر بنا ما يشبه جمال هذه المقابلة في الحلقة الرابعة عند تفسير (لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا)

– نتساءل فعلا حول (ويعذب المنافقين ان شاء أو يتوب عليهم.. ان الله كان غفورا رحيما)… فانه من المعلوم ان ربي لا يسأل عما يفعل وان تعذيبه للمنافقين شأنه وقضاؤه.. لكن هذا الذي نقرؤه في الاحزاب فريد ليس يتكرر في الكتاب (اعني هنا التعليق بالمشيئة وخيار التوبة..) فالمنافقون (في الدرك الأسفل من النار)(بشر المنافقين بان لهم عذابا اليما) (ان الله جامع المنافقين والمشركين في جهنم جميعا).. هذا ما يذكر الكتاب وزيادة فما المقصد يا ترى !؟

– ان آيات الاحزاب تحدثت عن المنافقين وضعاف الايمان وان ما كان في الاحزاب من ضيق وشدة لم يشبهه ضيق من قبل لذا فان من سقط من ضعاف الايمان في صف المنافقين ومن نافق حينها لشدة وضيق ناسب ان يتم التعامل معهم بمنطق ايسر مع الابقاء على (ويعذب المنافقين..)

أعظم ما استفدت

‫الرجولة مواقف.. ليس الذي يصرخ ويستنكر ويشجب هو الرجل.. انه ذاك الذي يثبت حين ينهزم الخلق.. هو ذاك الذي يعطي اذ الكل يمنع.. هو ذاك الراعي والحامي للحدود حين يسلمها الخونة للعدو.. هو الذي شاهد الاحزاب ولديه فرصة للهرب او مصافحة المنافقين لكن لم يفعل..

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.