أدب و تراث اجتماع فكر مختارات مقالات

دائرة التاريخ البشري

بقلم/ أ. محمد عبد العاطي

تاريخ الإنسان على الأرض قديم غاية القدم. أحقاب ودهور لا يعلم عدَّها إلا الله. وأجيال وراء أجيال، شعوب وأمم، أفراد وجماعات، أسر وعائلات.

في السهل والجبل، البدو والحضر، في السواحل والغابات، الأبيض والأسود… الخ. كل ذلك أين هم؟ ماذا نعرف عنهم؟

ما نعرفه هو ما خلَّفه الإنسان القديم من بعض الحفريات والأدوات، وما نقشه بعض الملوك مما بقي محفورا في الصخر، وما خطَّه بعض الكتّاب بعد اختراع الكتابة على رقع من جلد أو عظم وبعد اختراع أوراق البردي.

هذا هو أقدم ما نعرفه. كم يبلغ عمره؟ سبعة آلاف عام؟ عشرة آلاف عام؟ خمسين ألف عام؟ وماذا عن الفترات السحيقة التي سبقت ذلك؟ أين تاريخ البشر قبل هذه السنين؟

والآن، نحن هنا.. نعيش معاً، في عصر الورق والمطبعة والأجهزة الإليكترونية.

سبعة مليار ونصف المليار نسمة عددنا، كم سيبقى عالقا في ذاكرة الأجيال القادمة من كل هذا العدد؟ وكم سيبقى مما بقي في ذات الذاكرة بعد مائة عام؟ بعد ألف عام؟

الحق أننا نحن البشر أشبه بذرات الرمال تذروها الرياح فتنتشر، ثم تأتي رياح أخرى برمال جديدة تطمر ما سبق.

نحن موجات بحر؛ موجة تعقب أخرى في تتابع لآلاف السنين ولا يستطيع أحد أن يفرق بينها. نحن نتعاقب كما يتعاقب الليل والنهار؛ نهار يأتي بمواليد وليل يذهب بموتى.. وهكذا دواليك لآلاف وآلاف السنين، أجساد تَبلى ورفات يندثر، وزمان يمر.

لو لم يوجِد الإنسان لنفسه سردية أخرى لأرَّقه ما يحدث، لشعر أنه لا شيء، أن الحياة عبث.

الإنسان لا يريد أن يحيا فقط ككائن بيولوجي، مثله مثل الطيور والأسماك والحيوانات،

في أعماقه صوت يهمس له: إنك متميز.

تصوَّر الإنسان أن في جسده روحا تخرج عند الموت وليس موت الدماغ فقط، وأن روحه مميزة عن أرواح غيره من الكائنات سابقة الذكر. وأن ثمة حياة لها كحياة الجسد الذي كان على الأرض. حياة خالدة وطفق يتحدث عما يليق بتلك الروح كما صورها خياله.

سعادة دائمة ونعيم مقيم، وتواصل بطريقة روحانية مع من تحب؛ تواصلا عابرا حدود الزمان والمكان. وقال لنفسه: ولمَ لا؟ ألست كائنا مميزًا؟

وبذلك خفَّت على نفسه لوعة الموت الجسدي، والشعور بالدونية البيولوجية، لقد خلع على الحياة معنى وعلى الموت معنى بتصوره عن تلك الحياة الآخرة بعد الموت.

هل هذا حقيقي؟

في اعتقاد المؤمنين نعم.

وفي اعتقاد غير المؤمنين: وهم وخيال وحيلة تلجأ إليها النفس للتعويض.

وبعيدا عن هؤلاء وهؤلاء، تبقى الأرحام كل ثانية تدفع والأرض كل ثانية تبلع، ودوامة الحياة مستمرة إلى أن يشاء ربك فينزل الستار؛ ستار النهاية، وتتوقف الدائرة التي ما فتئت منذ آدم تدور وتدور.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.