اجتماع مقالات

العلاقات الاجتماعية بعد كورونا

كيف ستبدو طبيعة العلاقات الاجتماعية بعد
انتهاء جائحة الكورونا؟

بقلم/ مهدي اوبرار – المغرب

يتساءل سائل عن مصير العلاقات الاجتماعية بعد جائحة الفيروس: هل ستجعلها أكثر متانة؟ أم ستقلص التلاحم الاجتماعي الكائن قبلا. الكل يعرف أن الانسان اجتماعي بطبعه لا يمكن أن يعيش سواء ضمن جماعة تحميه جسديا وغذائيا وروحيا، يصعب أن يعيش لنفسه وبنفسه، الجماعة تعتمد عليه كما يعتمد عليها، الأفراد ضمنها يشكلون شبكات علاقات جدا معقدة الكل يؤدي وظيفة تساهم في استمرار النسق. هذا الواقع يفرض علينا أن ننسج علاقات مع الآخرين نوعية العلاقات تحددها إما القرابة أو المنفعة أو الجوار.

العيش في جماعة لآلاف السنين مكن البشر من أن يطور ويحسن سلوكياته تجاه الآخرين بغية تحقيق العيش المشترك بين مختلف الأفراد المشكلين للتجمع البشري، هذا العيش المشترك يتطلب من الإنسان التخلي عن سلطته الطبيعية للجماعة التي ستضمن له من بعد ممارستها دون المساس بالآخرين.

هذه الطفرة التي فرضتها الحتمية التطورية ستنتقل بالإنسان من الحالة (الطبيعية) التي كانت تتميز بالهشاشة على مستوى الروابط الاجتماعية إلى حالة (التعاقد) الأكثر تلاحما اجتماعيا. هذا ما سيدفع البشر الأول لتأسيس مجتمعات مدنية قائمة على التراضي وليس الإكراه، ليكون بذلك (التراضي) أساس كل العلاقات الاجتماعية بين أفراد المجتمع. فماذا نقصد إذن بالعلاقات الاجتماعية؟ ما هي أنوعها وأشكالها؟

من صفات الإنسان أن يبني علاقات بينه وبين الآخرين بغض النظر إن كانت علاقات إيجابية (إنسانية) أو سلبية، فوجود الإنسان ضمن جماعة بشرية يعني بالضرورة وجود تفاعلات اجتماعية سواء كانت داخل الأسرة أو العمل أو الجوار … الخ.

ليس مُهما مدى تطور أو تخلف هذه المجتمعات، فالبنيات الاجتماعية تنسج مع بعضها علائق تضمن من خلالها الاستقرار والاستمرار، وذلك عبر خلق مساحات من التفاوض بين مختلف الأنساق. تجدر الإشارة أنه ليس هناك تعريف واحد وأوحد يتفق عليه الجميع.

ما سيدفعنا إلى إعطاء تعريف عام وشامل نحاول ما أمكن أن يكون تقريبيا للمفهوم، يقصد بها “الروابط والأفعال المتبادلة بين الأفراد والتي تنشأ من طبيعتهم الاجتماعية، يأخذ هذا التفاعل الاجتماعي أنماطا متعددة تتمثل إما في علاقات إيجابية (التعاون، التضامن …الخ) أو سلبية (الصراع، المنافسة، القهر… الخ)، لما تستقر أنماط هذا التفاعل وتأخذ شكلا منتظما فإنها تتحول إلى علاقات اجتماعية كعلاقات الأبوة .. الصداقة .. الزمالة .. السيادة .. التبعية… الخ.

ومن خلال هذا التعريف سنحاول أن نحدد أنواع هذه العلاقات هناك:

1- العلاقات الاجتماعية المبنية على أساس القرابة.

2- العلاقات الاجتماعية الأسرية.

3- العلاقات الاجتماعية المبنية على الصداقة أو الزمالة.

4 – علاقات المنفعة والمصلحة.

أشكال هذه العلاقات بدورها تتخذ 4 أنماط:

1- علاقات اجتماعية وقتية.

2- علاقات اجتماعية طويلة الأجل.

3- علاقات اجتماعية محدودة.

4- علاقات اجتماعية مباشرة وغير مباشرة.

مما لا شك فيه أن العلاقات الاجتماعية قد تعرضت لمجموعة من التحولات التي حدثت في المجتمعات نتيجة التطورات التي أوصلت البشرية إلى الثورة الصناعية، فقد قامت هذه الأخيرة بقتل كل أشكال التضامن التقليدي الموجودة بين أفراد المجتمع وعملت على أن تستبدلها بأشكال وقيم جديدة من شأنها أن تمس بالبنيات الاجتماعية.

ر غم هذا التغير على مستوى العلائقي وما أفرزه ذلك من أزمات ومشاكل، إلا أن العلاقات الاجتماعية ستظل قائمة وضرورية في حياة الأفراد.

صلابة ومتانة العلاقات الاجتماعية تختبر في الأزمات، ولعل الأزمة الوبائية التي يعيشها العالم اليوم اختبار حقيقي لمدى سماكة تماسكنا في مواجهة هكذا كوارث، هذا الوضع الحالي المأزوم هو الذي سيكشف عن منسوب الأنسنة في سلوكياتنا تجاه بعضنا.

لأننا اليوم مطالبين بحشد جهودنا كمختلف فعاليات المجتمع من أجل تعزيز مفهوم التضامن ونشره كقيمة سلوكية متبادلة بيننا. ذلك عبر التدخل لتقديم المساعدة للفئات الهشة كونها الأكثر عرضة للفيروس، وبشكل خاص المرضى والشيخوخة وذوي الإعاقة وذوي الدخل المحدود، ذلك تحسبا لأي انعكاس قد يترتب عن تفشي الفيروس في نطاق أوسع.

إلى حدود الآن علاج الفيروس لايزال مجهولا، ما دفع الدول إلى فرض الحجر المنزلي على الأفراد لمنع كل أشكال التواصل المباشر للناس مع محيطهم الاجتماعي لحصر الوباء في رقعة محددة ولإبطاء معدل انتشاره بين الأفراد. حجر الناس في أماكنهم دفعهم للجوء لأشكال بديلة للتواصل الكلاسيكي. وهو التواصل الرقمي الشيء الذي يفسر الإقبال الكبير على مواقع التواصل الاجتماعي في هذه الفترة الحرجة. نجد أنها بقدر ما تساهم في تخفيف وطأة أزمة الاتصال المباشر بين الأفراد بسبب الحجر، بقدر ما تساهم أيضا في زرع خطاب التهويل والتخويف في نفوس الناس الذين يعيشون حالات نفسية جدا هشة تجعلهم يذهبون إلى تصديق أي معلومة ولو جانب الصواب.

الشيء الذي انتبهت له الدول، ما حتم عليها التدخل من أجل فرض الرقابة على المحتويات التي تروج في منصات التواصل الاجتماعي، من أجل التقليل من الأخبار التي تنشر الذعر بين الناس.

 

السؤال الأكثر طرحا اليوم، هو ما بعد الكورونا؟ لأن هذا الأخير لن يمر مرور الكرام سيلحق تغيرات جذرية ببنياتنا الاجتماعية وكذلك منظوماتنا الاقتصادية وعلاقاتنا الدولية.

الكل اليوم يتفق على أننا لن نعد كما كنا قبل الكورونا، الكثير من الأشياء حدثت ستدفع الكثرين لإعادة النظر في الكائن قبلا، الكثير من الدول ستعيد النظر في سياساتها، خاصة فيما يتعلق بالسيادة الصناعية، تحقيق الاكتفاء الذاتي الغذائي والصناعي وخاصة فيما يتعلق بالمنتوجات الطبية، فك ارتباطات التبعية بالدولة المركزية وبناء اقتصادات محلية قوية قادرة على مواجهة هكذا أوضاع، تشجيع الصناعات المحلية وفرض القيود على الواردات الأجنبية، الاستثمار أكثر في القطاعات الحيوية كالصحة والتعليم والسكن، إعادة النظر في سياسة خصخصة القطاعات الحيوية خاصة الصحية بعد الثغرات التي سجلت على المنظومات الصحية للدول وعدم قدرتها على احتواء الوضع، الاهتمام أكثر بالجانب الاجتماعي وتفعيل سياسات اجتماعية ناجعة للتصدي لكل أشكال التفاوت والإقصاء الاجتماعيين …إلخ.

مع كل هذه التبعات التي ألحقها فيروس كورونا بالمجتمع الإنساني:

– ألا يمكن أن نفقد التحامنا وتماسكنا ويؤدي بنا ذلك للتباعد والانعزال الاجتماعيين؟

– ألا يمكن أن يعيدنا هذا الوضع إلى حالتنا الأولى الطبيعية التي كنا عليها، التي تنتهك فيها كل المعايير الإنسانية؟

– أم أنه سيحي في نفوسنا الإنسانية ومبادئ التضامن والتعاون وسيقوي مناعتنا الاجتماعية ضد أي اهتزاز أخر؟

– ألا يمكن له أن يجعلنا نعيد النظر حول القيم المتوحشة السائدة التي أفقدت للإنسان أدميته؟

هذه الأسئلة لن نستطيع الإجابة عليها الآن، مرحلة ما بعد الكورونا هي التي ستجيب عليها وبكل موضوعية، مهما كانت نتائج الإجابات سنتقبلها بصدر رحب.

الأهم بالنسبة لنا أن نتعلم الدروس!

صحيح أن تاريخ البشرية مليء بالأخطاء لكنه أيضا مليء بالإنجازات العظيمة التي ارتقى من خلالها الإنسان بنفسه إلى أعلى مراحل التطور البشري، سنتجاوز المرحلة كما تجاوزنا مراحل سابقة، لكن بعضنا سيدفع ثمن ذلك، لا بأس هذه هي سنة العيش في كوكب الأرض.

Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.