دين فكر مختارات مقالات

الفتوحات العربية الإسلامية

الجزء الخامس من سلسلة آيات الحرب والقتال في القرآن الكريم

بقلم ا. محمد عبد العاطي – مصر

قبل وفاة النبي محمد صلى الله عليه وسلم في العام الحادي عشر للهجرة، ٦٣٢ ميلادية، كان قد كوّن قاعدة صلبة من المقاتلين الأشداء، خاض بهم حروبا ومعارك وغزوات عدة، تناهز ٢١ غزوة وأكثر من ذلك سَريّة. وبرز وسط هؤلاء قادة عسكريون من طراز رفيع مثل خالد بن الوليد وسعد ابن أبي وقاص وعكرمة ابن أي جهل وشرحبيل بن حسنة.. وفضلا عن تدريبهم وتسليحهم فقد كانت قلوبهم مملوءة بالحماس الديني المهم لأي مقاتل يخوض غمار الوغى.

وحينما مات النبي وتولى من بعده الحكم أبو بكر الصديق ثم عمر بن الخطاب، وجدا هذين القائدين تحت أيديهما قوة عسكرية جاهزة للحرب والقتال، فوجهها الأول نحو حروب الردة وفاز في جولاتها الإحدى عشر، فازدادت قوة وجسارة في القتال إلى قوتهم وجسارتهم، ووجها الثاني نحو شمال الأراضي شديدة الخصوبة، شديدة الثراء؛ سورية وفلسطين وأنطاكية، والعراق وبلاد فارس (إيران) ومصر.

فسار الجيش العربي المسلم يحقق انتصارات على امبراطوريتين كانتا تعيشان فترة ذبولهما، الساسانية والبيزنطية، وخضعت بلاد الشام مدينة تلو مدينة، كما خضعت العراق وفارس عقب أجنادين ونهاوند والقادسية، وخضعت مصر في أعقاب هزيمة الروم عند حصن بابليون، وقد اقترح عمرو بن العاص على عمر بن الخطاب فتحها عقب فتح فلسطين لتأمين بلاد الشام وإخماد التهديد الروماني الذي قد يأتيها من هناك عقب انسحاب الرومان من الشام إليها.

أي أنه في أقل من عشرين عاما من وفاة النبي تضاعف حجم الدولة المسلمة وأصبحت دولة امبراطورية تمتد على كامل مساحة شبه الجزيرة العربية والعراق وإيران والشام ومصر.

في تلك الحروب جميعها لم يحدث أن حاول المسلمون نشر دينهم بالطرق السلمية، عبر التبشير والوعظ وأخلاق التجار، ولم نسمع مثلا أن سلطات تلك البلاد منعت المسلمين من ذلك فقرر الخليفة شن الحرب من أجل نشر الدعوة. وإنما كان القرار يتخذ في المدينة وتُحشد الجيوش ويؤمر عليها قادتها وتنطلق هنا وهناك تقاتل الحاميات الساسانية (الفارسية) والبيزنطية (الرومانية) وحينما تنتصر تولي حاكما عاما وتُنصّب ولاة وعمال على الأمصار وتفرض على السكان خراجا سنويا ويظل الجنود والمقاتلون العرب المسلمون في معسكراتهم يستعدون لمعركة جديدة، وبعضهم يعتزل الخدمة العسكرية ويستوطن هو وأهله في تلك البلاد الخصيبة بعد حياة قاسية قضاها في صحراء نجد والحجاز.

وكانت غنائم الحرب توزع على المقاتلين فتحمسهم أكثر لمزيد من القتال، كما كان الخراج السنوي الهائل الذي يتدفق على بيت المال في مقر الحكم بالمدينة يشجع الخليفة على الاستمرار في هذا النهج.

وكان من تلك الغنائم كما هو معلوم العبيد والإماء والجواري.

وهكذا تأسست إمبراطورية جديدة على أنقاض الامبراطوريتين الساسانية والبيزنطية اسمها الامبراطورية الاسلامية، وبعد عهد الخلافة زادتها سلالة بني أمية ثم بني العباس توسعة حتى بلغت أضعاف ما كانت عليه.

وكما هي عادة الامبراطوريات حينما يدب فيها الضعف وتعتريها عوامل السقوط، فقد بدأت تلك الامبراطورية تذبل وتخفوا رويدا رويدا حتى آلت ممتلكاتها إلى روسيا وبريطانيا وفرنسا عقب هزيمة الدولة العثمانية (دولة الخلافة الإسلامية) في الحرب العالمية الثانية، ثم تحولت إلى أراض ودول وشعوب محتلة بعد تلك الحرب وحتى منتصف القرن العشرين حيث بدأت حركات التحرر الوطني و”الاستقلال” مجددا.

وقد أطلق على هذه الحروب وتلك الانتصارات التي حققتها دولة/إمبراطورية المدينة، ودولة/إمبراطورية بني أمية وبني العباس”الفتوحات الإسلامية”.

وكما كان الحال بالنسبة لحروب الردة التي تحدثنا عنها سابقا، فقد كان لابد من وجود مبرر ديني يشتغل جنبا إلى جنب مع المبررات المعروفة؛ الاقتصادية والسياسية، ولم يصعب على الدولة آنذاك إيجاده، فكان عنوانه: “الحكم الإسلامي القائم على العدل بديلا عن الحكم الروماني والفارسي القائم على الظلم”.

وكان الشعور العام المسيطر على أغلب مقاتلي تلك الجيوش أن ما يفعلونه هو نصرة لدين الله وإعلاء لكلمته، وذلك بنصرة الدولة المسلمة وبسط هيمنتها. فتماهى بذلك الدافع السياسي والاقتصادي مع الدافع الديني، وبدأ جيش الدعاة (الشؤون المعنوية في الجيش الإسلامي) وجيش الكتاب والخطباء والفقهاء التابعين للدولة التقعيد والتنظير لهذه الحروب العسكرية، وبدأ المؤرخون يذكرون مناقبها ويخفون مثالبها ولا ينقلون وجهات نظر تلك الشعوب التي انتقل زمام الحكم فيها من محتل لمحتل أجنبي آخر، وضاعت عليها فرصة يتمناها أي شعب وترجوها أي أمة وهي أن يحكم نفسه بنفسه، كما كان حالهم قبل مجئ تلك الإمبراطوريات؛ الرومان، الفرس، العرب…

من المؤكد أن تلك البلدان لقيت حكاما مسلمين عادلين لكن من المؤكد أيضا أنهم عانوا من حكام مسلمين آخرين ظلمة وفاسدين وسُرّاق للمال العام، كما تدل على ذلك مظاهر البذخ الفاحش الذي كان يعيش فيه بعض الخلفاء وتنغمس في الملذات والملهيات قصورهم.

ولسنا في وارد الحديث عن فضائل الحضارة الإسلامية صاحبة هذه “الفتوحات” وحياة السلم والعدل والرحمة والتعايش واحترام الأديان التي نعمت فيها الأقليات الدينية في تلك البلدان كما يروي ذلك المؤرخون الذين بتغنون بتلك الفتوحات، فهذا ليس مقصدنا في هذه المقالة، وإنما الهدف والمقصد هو وضع السياق العام لتلك الحروب التي سميت بالفتوحات، لينظر إليها كل ناظر في ضوء ما حددناه سلفا من حصر ورصد وتحليل آيات الحرب والقتال في القرآن الكريم التي سبق وأن خصصنا لها مساحة معتبرة.

وخلاصة القول في تلك “الفتوحات” أنها كانت عملا سياسيا اقتصاديا حربيا ضمن أيديولجية دينية كانت لازمة كغطاء يسوّغ تلك الحروب داخليًّا وربما خارجيًّا.

وعلى كل حال، فقد كان هذا تاريخا مضى وانقضى بكل ما له وما عليه، وأصبحنا في عصر مفاهيمه واضحة، ويعتبر شن الحروب الهجومية تحت أي ذريعة عملا عدائيا، ويقصر الحرب المشروعة -كما اقتصر عليها القرآن من قبل- على الحرب الدفاعية.

وبهذه المقالة نختتم رحلتنا القصيرة مع آيات الحرب والقتال في القرآن، لنبدأ بعدها بإذن الله تدبر قضية أخرى في هذا الكتاب الكريم.

Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.