دين مقالات

الحلقة الثامنة من سلسلة أنيس الأصحاب من سورة الأحزاب

بقلم ا. اياد خندقجي – فلسطين

قال تعالى (‫قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا 18 أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا 19) .

مناسبة الآيات

لا زلنا مع الدروس المستفادة من مواقف المنافقين وضعاف الإيمان في غزوة الخندق، ونحن هنا ننتقل الى سبر اغوار النفوس العفنة بعد بيان المواقف الخبيثة لهم

التفسير

يقول الرب جل وعلا انه يعلم ما يجول في خواطر ضعاف الإيمان والمنافقين في المدينة إذ يثبطون اشباههم عن مشاركة المؤمنين في جهادهم وينادونهم الى حيث الثمر والعافية والرزق الحسن وهم في هذا كله لا يشاركون المؤمنين فيما يتعرضون له من محن وشدائد.

ثم يخبر الله عنهم من حيث كونهم متلبسين بالبخل فلا يجودون بنصح ولا خير ولا ثمر.

وهؤلاء الخبيثون تراهم حين الخوف يلوذون بالرسول ومن معه كمن يشرف على الهلاك طالبا الاغاثة.. لكنهم حين اليسر تراهم يعودون لبخلهم ولألسنتهم السليطة التي لا تنفك تعود باللوم على المؤمنين.

إنهم تماما كما كلاب السلطان وسلاطين الكلاب في عصرنا.. لا تسمع بهم حين الباس بل يستخدمون المسلمين كورقة مقايضة.. وهم حين تكون الدائرة لهم كالغيلان في كهوف ومعهم المفاتيح.

أنيس الأصحاب

في زيارة عشاء اجتمعنا ثم تذاكرنا كتاب الله ووقفنا عند هذه الآيات نتأملها:

–  كلنا يعلم أن (قد) إن دخلت على الفعل المضارع فانها تفيد التشكيك بخلاف لو انها دخلت على الماضي فهي حينها تفيد التأكيد.. لكن كيف نفهمها هنا والسياق يفيد التأكيد وهي دخلت على فعل مضارع (قد يعلم الله المعوقين منكم..)

نقول… ان هذه القاعدة ليست مطردة تماما فهي مع العظيم ليست كما هي مع العوام.. ثم اننا نقول..

نستطيع ان نفهم (قد يعلم) بان الله ينبه الى انه علم وانه مستمر في العلم بتثبيط المنافقين بدلالة الفعل المضارع

ونستطيع ان نفهمهما حسب القاعدة فاذا قال الله (قد يعلم الله..) فان هذا يعني بما لا يدع مجالا للشك انه علم.. فقليل احتمال في علمه كثير تام

والخلاصة انه تعالى علم ويعلم وسيعلم.. هذا ما افادت (قد يعلم) اما لو قال (قد علم) فانها لن تفيد الا انه علم… هذه هي العظمة وهذا هو الاعجاز

–  تساءلت.. وكيف يكون المعوقون –  المثبطون –  منا.. (قد يعلم الله المعوِّقين منكم) !؟

نعم.. هذا مستوعب تماما بل انه تنبيه الهي للامة المسلمة ان هناك من هم من الجماعة المؤمنة وهم منا –  وليسوا فينا فقط-.. ويثبطون

ان مجرد الصمت على كيد الكفار تثبيط

وان مجرد الركون لشبهات المنافقين تثبيط

وان مجرد الاقتيات على موائد المثبطين تثبيط

وان ما كان يفعله ضعاف الإيمان من حرص ظاهر على اخوانهم (الحيط الحيط ويارب الستر) تثبيط

ان هذا كله وزياده يفعله من هم (منا) للأسف.. وتلك سنة ازلية لا زالت تعمل في زماننا لقوم أجدادهم جاوروا ابن سلول.

–  هناك فرق بين (هلم الي) و (هلم معي) وهؤلاء المعوقون قالوا لاخوانهم (هلم الينا).. فكيف نفهم نداءهم هذا !؟

بالمناسبة معنى كلمة (هلم) تعال…

ولو نظرنا في السياق واسباب النزول لوجدنا ان هؤلاء الذين وصفوا ب (منا) لا يزالون في حيز معقول من التقصير لذا فان القران ينبههم وينبهنا لتقصيرهم.. بدليل انهم قالوا (هلم الينا) فنحن لسنا مع شيء.. نحن هنا عند الفاكهة والبساتين.. لسنا داخلين في عمق الخيانة.. تعالوا الينا استفيدوا مثلنا..

ان هذا الفهم الدقيق يجعلنا نعي تماما ان هناك امل في كثير من الطوائف الذين لو تركناهم وما هم عليه لوصلوا في يوم من الايام لمعنى هلم معنا..

–  ذكر أخي الحبيب فائدة هامة في قوله تعالى (فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون اليك تدور أعينهم..) فبين.. ان الخوف يقع ويستقر ويحس به.. اما انه يجيء.. فللإشارة لما يتم تهيئته في غيب القدر.. انه خوف قد اعد له مسبقا.. خوف فطري مقدر بجند الله.. سوف يأتي فجأة لامتحان قلوب ما تهيأت له.. لذا فان ردة فعلها ستكون (فضيحة)

–  ثم اثار انتباهنا هذا التعبير الفريد (فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد أشحة على الخير)

قلت.. ان هذه الصورة صورة من اروع ما ورد في كتاب ربي اشارة لما يكون من المتلونين

انهم حين الخوف تذوب السنتهم في شفاههم كمن ينتظر الموت (يلهث) (كالذي يغشى عليه من الموت) وهم بهذا سجلوا موقفا ضعيفا شهد عليه كل متابع

ثم بعد ذهاب الخوف.. تراهم يبذلون جهدا في التحضير والغليان (سلقوكم) لتبدو السنتهم (حدادا) وهم في الحقيقة ليسوا كذلك فهم لا زالوا يستذكرون موقفهم الضعيف جدا.. المشار اليه من قبل ذهاب خوفهم

كل هذا من أجل الاحتفاظ بمكتسباتهم التي حصلوها حين كانوا يقولون (هلم الينا) ولا يريدون ان ياخذ منها أحد شيئا خشية مجيء خوف جديد (أشحة على الخير)

يا الله… هذا الذي قرأتم وغيره الذي لم يكتب عبر عنه في اقل من سطر..! هو الاعجاز يا جماعة فهل وصل؟!

–  انها الحقيقة الدامغة التي لا تتبدل (أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم)

إنهم وان كانوا منكم يصلون معكم ويصومون معكم وربما تبرعوا وتصدقوا معكم الا انهم بفعالهم تلك من تثبيط وتخذيل للجماعة المؤمنة وتسهيل لمهمة المنافقين في التحالفات الباطلة والخيانات المهلكة..

انهم لم يؤمنوا الإيمان الحق الذي يجزي الله به الجزاء الحسن

سيحبط الله اعمالهم ويهلكها ولن يكون لها أثر يذكر لانها بكل بساطة لم تجد نفعا بل كانت عونا للمنافقين في توجيه اجنداتهم

كم يهدم الاغبياء وكم يخدمون الكفار وكم يهلكون من مشاريع.. هم لا زالوا ينفذون غباءهم ولا زال المنافقون يستثمرون فيهم ولا زال الكفار يحصدون… فهلا انتبهنا

هكذا تدخل بسرعة صديقي المتهور.

أعظم ما استفدت

لا تخدعنك اللحى والصور فتسعة أعشار من ترى بقر…

وللحديث بقية إن كان في العمر بقية

Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.