دين مقالات

الحلقة السابقة من سلسلة أنيس الأصحاب من سورة الأحزاب

بقلم ا. اياد خندقجي

قال تعالى (‫وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا 15 قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا 16 قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا 17)

‫سبب النزول

روى الطبري في تفسيره قال حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: ثني يزيد بن رومان (وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولا). وهم بنو حارثة، وهم الذين همّوا أن يفشلوا يوم أحد مع بني سلمة حين همّا بالفشل يوم أحد، ثم عاهدوا الله لا يعودون لمثلها، فذكر الله لهم الذي أعطوه من أنفسهم.

التفسير

تعرفنا على موقف المنافقين والذين في قلوبهم مرض الخطير.. تجاه المؤمنين داخل المدينة

وفي هذه الآيات يذكر الله طائفة ممن ضعف إيمانهم بما قطعوه من عهود بعد أحد

وهم الذين بين سبب النزول حالهم

انهم قد قطعوا العهود الا يولوا الادبار ولا ينهزموا لكنهم يعودون لما قاموا به من خيانة وتخذيل

يقول الله لهم انه لن ينفعهم الفرار شيئا فان كتب عليكم موت ستموتون ولن تستمتعوا مهما كان حتى لو عشتم الدهر.. الا قليلا.. من المتاع او قليلا من الزمن مقارنة بعيش الخلود في نار او جنة

انها الحقيقة القاطعة.. انه لن يعصمكم من الله أحد ولن ينصركم أحد. ان كان القضاء قد حل بامر الله سواء كان بسوء او برحمة

تلك الاحوال لا زالت تكشف لنا حقيقة المشهد وخطورته فمن حصار خارجي الى تحالف داخلي مع اليهود والمشركين الى تخاذل من ضعاف الإيمان والمرتزقة..

هو بالضبط الحال الموصوف ب (زاغت الابصار وبلغت القلوب الحناجر)

أنيس الأصحاب

في رحلة بحرية وقد استدار البدر وأنار كنت وأصحابي نتدارس الكتاب ثم ناقشنا اللطائف في الآيات:

  سأل أحدهم.. هل ل (كانوا) فائدة اذ دخلت على (عاهدوا).. في قوله تعالى (ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل..) !؟ لو قيل.. ولقد عاهدوا الله ‘ ربما كان كافيا !!

قلت.. هذا لا يمكن بحال طبعا.. فقولنا ولقد عاهدوا.. اعلام بحدث جرى في الماضي، اما قوله تعالى (ولقد كانوا عاهدوا…) فإعلام بما استقر في نفوس المعاهِدين لا على سبيل الزمان بل الاستقرار

ولما كان هذا مقصد الآيات في السياق كان لا بد من دخول (كانوا)..

  ثم تساءل آخر… اذا كان ذلك كذلك ؛ فما سر اقحام (من قبل).. وهي دالة على زمان !؟

قلت… ان الآيات بعد بيان استقرار العهد بينت ان هذا العهد قد قطع في زمان آخر سبق هذا الزمان وهو زمان غزوة الأحزاب بغض النظر عن ميعاده.. ان (من قبل) دلت على ان هذا الغدر الذي كان منهم كان خيانة لذواتهم لا للامة المسلمة فحسب…

ان التركيز في الآية كان على العهد واستقراره ثم لزمان ما سبق.. ولولا هذا السبك في السياق ماتم المعنى كما ذكر.

  تساءل أحدهم.. نقول عاهدت على ألا أغدر.. ولا نقول عاهدت لا أغدر..! فهل قوله تعالى (ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الادبار) حكمة تفيدون بها؟!

ان هذا السبك العجيب يطرب كل باحث متأمل.. فقولنا عاهدت الا اولي الادبار.. افاد معنى وأحدا وهو انني لن اولي الادبار.. اما قول ربي (عاهدوا الله من قبل لا يولون الادبار) فقد افادت:

  تثبيت اصل العهد (عاهدوا الله)

  كان قديما مستقرا (من قبل)

  هم اصلا لا يولون الادبار والجملة الفعلية المضارعة دلت على الاستمرار(لا يولون الادبار)

  مع كل ما سبق الا انهم ولوا الادبار (مفهوم من السياق بدلالة وكان عهد الله مسؤولا)

  تماما كما (كان عهد الله مسؤولا) هم (كانوا عاهدوا الله..) ففيم الخيانة !!

  ثم تساءل أحدهم قال… في قوله تعالى (لن ينفعكم الفرار) استغناء عن (ان فررتم) لأنه مفهوم عقلا… فكيف نقرأ هذا الشرط في الآيات قراءة اعجاز؟

ان المقصود بالفرار هنا فرار مخصوص وهو الفرار من الموت او القتل.. لكن.. ان فررتم من الكفر او الخيانة او نقض العهد او فررتم من كونكم منافقين.. حينها سينفعكم الفرار

  ان كان كما تقولون.. ففيم ذكر القتل بعد الموت في قوله تعالى (إن فررتم من الموت أو القتل) والفتل موت !

نعم… بل لاحظنا معا ان الموت قدم على القتل وذكر القتل بعده من باب ذكر الخاص بعد العام..

ان هؤلاء لن يفروا من الموت الطبيعي فقط فهم ربما يطلبونه فرارا من الم قد يصيبهم او ذل وهوان قد يلحق بهم.. حينها قد يطلبون هم الموت.. لذا ذكر القتل بعدها.. فإنكم ان فررتم من الموت لن تفروا من القتل.. ربما طلبتم الموت لكن لن تجدوه.. ان فراركم من الموت او القتل لن ينفعكم.. انتم في خسران ابدا.

  تساءلنا.. لقد فهمنا ان المنافقين والكفار لن يكونوا معصومين من الله ان اراد بهم سوءا.. فهذا معقول جدا.. لكن كيف نفهم (‫قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَة)… حتى الرحمة ليسوا بمعصومين منها !!! كيف؟

هنا تعلمنا درسا لن ننساه.. وهو ان الكفار قد يرحمون رغما عن انوفهم.. وربما لم يرتضوا رحمة الله.. حينها ؛ إن كان الرحمن قدر رحمة فلن يعصم الكفار منها أحد.. وحينها لن يجدوا من دون الله وليا يركنون اليه ولا نصيرا ينصرهم

  في حضرة الإنصاف لا بد أن نتذاكر.. (وإذا لا تمتعون إلا قليلا).. ما الذي نفهمه من هذا الاستثناء؟

ان الذين تعرضوا لغضب الرب سينالون جزاءهم ولا بد.. ولن يفروا ابدا من عذاب الله… لكن.. لا ترتابوا ايها المؤمنون ان رأيتموهم يتمتعون في هذه الدنيا حتى وان قضوا حياتهم في نعمة.. فما هذا الا (قليلا) بالنظر لما ينتظرهم يوم الجزاء

أعظم ما استفدت

تمر بنا لحظات تجلٍّ نسمو بها وندرك وصلا.. فترقى النفوس وتصعد الروح حتى تعاهد الرب عهودا موثقة… فلنعلم بكل وضوح أن عهد الله كان مسؤولا.. وقفة مع هذا المعنى تجعلنا ندرك كم نحتاج لتوفيق الله..

وللحديث بقية إن كان في العمر بقية

 

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.