أدب و تراث مقالات

الست كورونا ورحيل أبو زياد ودفن الموتى

كتب البروفيسور عادل الأسطة:

وأنا أتصفح رسائل الماسنجر هذا الصباح قرأت رسالة من فداء نزار زوربا تعلمني فيها أن جدها أبو زياد الشبيري انتقل فجر امس إلى رحمته تعالى، وتخبرني أنه أول أمس سألها عني.

كنت تعرفت إلى ” أبو زياد ” في مقهى البرلمان وكان يحدثني عن أهلي، فقد عرفهم في يافا التي هاجر منها في العام ١٩٤٨ وغدا لاجئا في نابلس.

سألت فداء عن عمر جدها فأجابت أنه في الثمانين، ولما أعدت السؤال، فهو أكبر، أخبرتني أنه في الخامسة والثمانين، وهذا معقول أكثر، فقد كان ذاكرة يافاوية بامتياز – يعني كان عمره عام الخروج خمسة عشر عاما على الأقل.

عائلة الشبيري عائلة يافاوية معروفة من خلال أشهر ملاكم يافاوي كنا نحفظ اسمه في طفولتنا، بل ورأيناه، وهو نعيم الشبيري.

وأنا أقرأ الخبر سألت فداء عن الجنازة والدفن والعزاء، وكنت كتبت، من قبل، عن دفن شهيد الكورونا الثاني وهو من طولكرم وعن اقتصار الجنازة على عشرة أشخاص، وعندما توفي صديق لي من مخيم عسكر لم أذهب إلى بيت الأجر، فلم يقم أصلا.

أجابتني فداء بأن جدها دفن وأن بيت الأجر في بيته في نابلس الجديدة، ولما سألتها عن عدد الذين شاركوا في الجنازة أخبرتني بأنهم لم يقلوا عن ١٧٠ وهم الأخوال والأعمام والأحفاد، فالأسرة ممتدة.

كان الدافع إلى سؤالي هو معرفة إن كان الناس يلتزمون بتعليمات المسؤولين أم لا، ومنذ أسبوع تقريبا آثر الناس اتباع سياسة القطيع عموما وصاروا يخرجون ويمشون في الأسواق غير ملتزمين بسياسة الحجر الصحي.

إحصائيات المصابين بالست كورونا فاقت ال ٣ ملايين والموتى زادوا على ال ٣٠٠ ألف، وهذه الأعداد في عالم ال ٧ مليارات وأكثر قد لا تذكر، ومع ذلك فهي قد تبعث الرعب في نفوس كثيرين وإن كانت تسعد قليلين ممن ينشدون تقليل عدد سكان المعمورة بحيث لا يتجاوز المليارين.

على الرغم من أن الست كورونا فرضت نظام منع تجول على العالم كله تقريبا – هذا ليس جديدا على الفلسطينيين – إلا أننا لم نشهد بعد ما شهده العالم في القرون التي انتشر فيها وباء الطاعون أو جائحة الانفلونزا الإسبانية.

في ” الديكاميرون ” وفي ” يوميات سنة الطاعون ” تشغل الكتابة عن الموتى ودفنهم حيزا لافتا، ويقرأ المرء فقرات تبعث الرعب في النفوس. خذوا الفقرة الآتية من ” الديكاميرون “:

” ونادرا ما كانت جثامين الموتى تنقل إلى الكنيسة وبرفقتها أكثر من عشرة أو اثني عشر من المرافقين، ولا يكون هؤلاء من المحبين أو من المواطنين البارزين، وإنما صنف من الرعاع ذوي المكانة الوضيعة، ممن أطلقوا على أنفسهم تسمية ” الحمالين “، يؤتى بهم من بين أشد الناس خسة. وكانوا يتلقون أجرا مقابل خدمتهم في حمل النعش، ونقله بخطوات متعجلة، ليس إلى الكنيسة التي اختارها الميت وهو حي، وإنما إلى أقرب الكنائس في معظم الأحيان، ويمضي وراءهم بشموع قليلة، أربعة أو ستة رهبان يعمدون، بمساعدة الحمالين، دون أن يزعجوا أنفسهم بصلوات طويلة ومهيبة، إلى وضع التابوت في أول مدفن فارغ يصادفونه، أما دفن الفقراء، وكثير من متوسطي الحال، فكان أشد بؤسا بكثير، لأن معظمهم يستبقون في بيوتهم، بدافع الأمل أو البؤس، فينقلون الداء إلى مئات من جيرانهم كل يوم… ”

وما سبق يذكر بمثلنا الشعبي ” موت الفقير و.. ” ومرة كتبت قصة عنوانها ” هكذا إذن يا فاطمة ” استوحيتها من جنازة المرحوم ظافر المصري وجنازة المرحوم أبو دراع مختار مخيم بلاطة.

هل تتذكرون قصيدة الشاعر الشهيد عبد الرحيم محمود ” الحمال الميت “؟

” والناس – مذ كانوا – ذوو قسوة

وليس للبائس فيهم نصيب “.

رحم الله ” أبو زياد ” ورحم الله يافا أيضا.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.