أدب و تراث اجتماع سياسة مقالات

ثقافة التضامن والتعاطف

ثقافة التضامن والتعاطف: عن الانتماء للحركات الإسلامية


بقلم/ آلاء السوسي

بعد تجارب عديدة -ليست كبيرة في الحقيقة لكنها عديدة- وانتقالات متعددة في الانتماء من مكان إلى آخر، ومن فكرة إلى أخرى، ومن أيديولوجيا إلى غيرها، ومن نمط حياة إلى أخر، فإنني اعتقد أن اسوأ ما يحدث للإنسان بعد خروجه من “انتماء/ فكرة/ أيديولوجيا/ مكان سابق” هو حالة “التعاطف” معه باعتباره خارجًا من جنةٍ سابقة إلى جحيم لاحق، ربما يكون هذا الشعور أقسى من انقلاب الآخرين عليك واعتبارهم لك كافرًا وجاحدًا، على الأقل فإن الذين ينقلبون عليك يوضحون مواقفهم الجديدة بدقة، ويعتبرونك ندًّا. لكن الآخرين يعتبرونك مثير للشفقة، يفسرون خروجك بأسباب عديدة تجعل منك كائنًا يستحق أي شيء، سوى أن يكون ندَّا.

بشكلٍ عام، ربَّت فينا الجماعة الإسلامية – في شقها غير العنيف- الشفقة والتعاطف والتضامن مع غير المنضمين إلينا، باعتبارهم مساكين ومستحقين للشفقة، بينما الأمر في حقيقته نوع من الاستعلاء، ووجه آخر لديكتاتورية الحقيقة المطلقة.
فكل الخارجين من تصوراتنا ينتقلون إلى جحيمٍ ما، باعتبارهم مضللين أو مرضى نفسيين أو مروا بظروف صعبة أو مغرر بهم أو إلى آخره من التبريرات التي تجعل هذا الفرد اي شيء سوى أن يكون فردًا عاقلًا اختار حقيقةً أخرى غير حقيقتهم.

لكن – ولكي لا أكون متحاملة- هذه ليست سمة الجماعات الإسلامية، هذه سمة عامة في مجتمعات تدعي أن صفتها الأساسية هي “التضامن”؛ وإذا كان التضامن بالفعل أخلاقيًا، فإنه -وفي شقه الآخر- يسلب الفرد من فكرة المسؤولية عن نفسه، بمعنى أننا نتربى كأشخاص على توقع التضامن، وهذا التوقع يجعلنا غير مستقلين تمامًا، محتاجين بشكلٍ مستمر، وغير فاعلين احيانًا لهذا السبب، يبدو هذا واضحًا لدى النساء في الغالب.

ومن ناحية أخرى، فنحن ولأننا نتوقع التضامن، نفرض هذا التضامن على الآخرين، في حال قدَّرنا احتياجهم له، وهاتان الحالتان تخلقان المزيد من حالة الارتباط، ومن ثم فقدان استقلالية الفرد لمسؤوليته عن افعاله، طالما أنه اختارها بمحض إرادته.

في بداية ظهور وائل غنيم صدمت بحالته، وتوقعت أنه يعاني من ضغوط نفسية، لكن مع متابعته اتضح أنه اختار لنفسه طريقّا، أيًا كانت الصدمة في التحول الذي تحوَّله غنيم، فإن هذا هو اختياره الشخصي، حتى وإن كان يقود نفسه إلى هاوية محقَّقة، فإن ه هو الوحيد المسؤول عن تحوله ومصيره وشكل حياته، بإمكانه أن يكون مضحكًا او مبكيًا، أن أختلف معه أو أتفق، لكن ليس بإمكاني ابدًا أن أتضامن أو أشفق عليه.

لم اعد إنسانة درامية أبدًا، ولا استطيع أن اشعر بالحزن لأجل اي شخص اختار طريقه بمحض إرادته، بل إنني أحسد أولئك الذين يستطيعون تقرير مصير حياتهم، واختيار تحولاتهم -مهما كانت فجة-، أعتقد ان الذين يستحقون الشفقة هم أولئك الذين لا زالوا -وتحت الضغوط الاقتصادية والاجتماعية- لا يستطيعون أن يقولوا ما هو شكل حياتهم التي يريدون أن يعيشوها، وبماذا يفكرون، وكيف يفكرون في الأشياء.

من ناحية اخرى، لدي مشكلة مع الطب النفسي، ومع تصنيف المريض والسليم نفسيًا، وحول من يضع هذه التصنيفات وحدودها، أي ما هو الحد الفاصل الذي يجعل هذا الإنسان صحيحًا نفسيًا، وآخر غير سليم؟
عموما، فحدود المرض والصحة النفسية (في جزء كبير منها) مبنية على حدود المؤسسة الاجتماعية والسياسية، ولها تاريخ طويل من هذه الصناعة، وما يعتبر جنونا في عصر/ مكان، يمكن أن يعتبر عين العقل في عصر وزمن آخر.

لذا، فإن غنيم لطيف بشتائمه وسخريته وتناقضاته الفجة المعلنة، وبنبشه في أرضية مجتمعاتنا الخصبة المليئة بالعنف المعلن وغير المعلن، وسعيدة بشجاعته وتراجعته عن ما بدا انه لا يمكن التراجع عنه، حتى وإن اختلفت معه، وكثيرًا.
ومهما يكن المصير الذي أعده غنيم لنفسه، أو الهاوية التي يجري إليها، فإنني غيرمسؤولة، لقد اختار مصيره، ويكفيه شرف اختيار مصير صعب عجز عنه الكثيرون.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.