دين فكر مختارات مقالات

حروب الردة والفتوحات العربية

محمد عبد العاطي يكتب عن الفتوحات الإسلامية وحرب الصديق ضد المرتدين

أولا: حروب الردة

تحدثنا أمس عن الحرب المشروعة في القرآن الكريم، وقلنا إنها الحرب الدفاعية عن النفس والعرض والمال وحرية المرء في اختيار الدين الذي يريد. وقلنا كذلك إن مهمة الرسول هي فقط الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة وأنه ليس مطلوبا منه إجبار الناس على تغيير دينهم لأن ذلك مخالف لسنة الله التي أرادت أن يكون الناس مختلفين.

وبعد أن قلنا ذلك برزت إلى الأذهان التساؤلات التالية: ماذا عن حروب الردة؟ ما تصنيفها؟ هل هي حروب مشروعة وفق المنظور القرآني؟ وماذا عن الفتوحات التي قامت بها الجيوش المسلمة سواء في آخر سنوات الرسول (ص) حينما جهَّز جيش أسامة بن زيد ليوجهه نحو الشام في عام وفاته؛ العام الحادي عشر للهجرة، أو الجيوش التي تلتها والتي سيّرها خليفتاه أبوبكر وعمر إلى بلاد الشام والعراق وبلاد فارس (إيران) ومصر؟ كيف نصنف هذه الحروب التي خاضتها تلك الجيوش؟ هل هي حروب دفاعية؟ وإذا كانت دفاعية فما هو التهديد الذي جاء إلى الدولة المسلمة الوليدة في المدينة من البلاد سابقة الذكر والتي كانت خاضعة للإمبراطوريتين الرومانية (البيزنطية) والساسانية (الفارسية)؟ وإذا كانت حروب هجومية فما أهدافها؟ والأهم ما شرعيتها استنادا لما سبق بيانه من آيات الحرب والقتال في القرآن الكريم؟

هذه الأسئلة وغيرها هي موضوع مقالة اليوم والتي تليها.

بادئ ذي بدء فليس هناك ما يمنع من أن يكون للحرب أكثر من سبب وليس سببا واحدا فقط. والحق أنها بالفعل كذلك، إذ يتداخل في بواعثها الديني والسياسي والاقتصادي والاجتماعي والجهوي والقبلي بل والشخصي أحيانا.

وهذا ما حدث بالنسبة لحروب الردة والفتوحات العربية “الإسلامية” بعد ذلك.

عقب وفاة النبي امتنعت أغلب قبائل ومناطق العرب عن دفع الزكاة، واعتبروها “ضريبة مالية” “إتاوة” لا يجب الاستمرار في دفعها بعد وفاة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ولم تمانع في ذات الوقت من الاستمرار في أداء الصلاة والصيام والحج وسائر أركان الإسلام. لا يعرف بدقة إن كانوا فقط امتنعوا عن أدائها للسلطة في المدينة التي آلت إلى قبيلة قريش وكان سبب المنع –فضلا عن الرغبة في توفير المال- هو عدم الاستمرار في الولاء لتلك القبيلة؛ أي أن النوازع القبلية والأنفة القبلية هي التي دفعتهم إلى ذلك، وأنهم في المقابل سوف يخرجونها ويصرفونها بأنفسهم على الفقراء في قبائلهم ومناطقهم وهم أدرى بهم.. لا تعرف بدقة هذه المسألة.

لكن على كل حال، فإن الذي حدث أنه بعد وفاة النبي قررت أغلب قبائل العرب الامتناع عن دفع الزكاة، والمال بالنسبة للدولة المسلمة الوليدة التي تقلّد للتو منصب الخليفة فيها أبو بكر الصديق يعتبر مسألة بالغة الأهمية، لأنها إن تساهلت في عدم دفع المال (الزكاة) فقد خسرت مصدرا مهما للدخل من جهة ومن جهة ثانية فتحت على نفسها بابا للتنصل مع عديد المعاهدات والمواثيق الأخرى، ما يعني أن الرابطة/السلطة التي حاول النبي إقامتها قبل وفاته ستنهار، وسيتقلص نفوذ الإسلام ودولته إلى حدود مكة والمدينة فقط بعد أن توسع فشمل حضرموت ونجران وتهامة في اليمن، والبحرين في أقصى شرق الخليج العربي، وتبوك ومؤتة في أقصى الشمال. لهذا قرر أبو بكر مقاتلة مانعي الزكاة رغم اعتراض عمر بن الخطاب مخافة الهزيمة وضياع ما تبقى من دولة الإسلام التي لم يشتد عودها بعد.

هنا نجد أن الدافع الرئيس لهذه الحروب التي سميت بحروب الردة، والتي بلغت في مجموعها إحدى عشر حربا والتي كان أهمها وأشهرها حرب اليمامة، وشملت الأماكن والمناطق سابقة الذكر، هو دافع يتداخل فيه الاقتصادي بالسياسي بالديني، وقد قال أبو بكر قولته المشهورة لعمر ابن الخطاب “ثكلتك أمك يا ابن الخطاب، أجبَّار في الجاهلي خوَّار في الإسلام؟ والله لو منعوني عقال بعير كانوا يؤدونه لرسول الله لقاتلتهم عليه”.

ومن الطبيعي أن يكون للحروب غطاء أخلاقيًّا، وأن يقتنع الجنود أنهم يخاطرون بأرواحهم من أجل شيء يستحق، وبأن الله راض عنهم وهم يرفعون السلاح ويقتلون هذا ويجرحون ذاك. أي لابد من أن يقتنعوا بالتخريج الشرعي والأخلاقي والقانوني لحربهم. من هنا لم يجد أبو بكر صعوبة في إقناعهم أن ما اعتبرته قبائل العرب ضريبة إنما هو فريضة دينية واجبة الأداء، وأنه “يجوز شرعا” “لولي الأمر” أن يقاتل من يمتنع عن أدائها.

ومن ثم انطلق نحو عشرة آلاف مقاتل من خيرة المقاتلين من ساكني مكة والمدينة والطائف إلى مقاتلة تلك القبائل، وكان قد دخل في الإسلام خالد بن الوليد، القائد الحربي المشهور، والذي كان له إسهام كبير في إحراز النصر تلو النصر هنا وهناك وبخاصة في اليمامة.

كان الجيش المسلم منظما ومدربا ومتحمسا حماسة دينية ومدفوعا بالمخاوف من التهديدات التي بدأت تطل برأسها على الدولة الوليدة عقب وفاة نبيها وقائدها محمد (ص)، في حين كانت تلك القبائل متفرقة، قليلة العدد ضعيفة العدة فمنيت بالهزيمة، وبعد عام عادت الأوضاع إلى ما كانت عليه إبان حياة النبي، وعادت شبه الجزيرة العربية لبيت الطاعة مرة أخرى بقيادة أبي بكر ومركز السلطة في المدينة المنورة.

إذن الخلاصة في حروب الردة أنَّ باعثها الأساس كان اقتصاديا سياسيا، وأنها وجدت في الدين مخرجا حينما اقتنع المقاتلون المسلمون في جيش أبي بكر أن الزكاة كالصلاة لا يجب التفرقة بينهما، وأن مقاتلة مانعي الزكاة “عن بيت مال المسلمين في المدينة” حتى وإن أقاموا الصلاة وصاموا رمضان وحجوا البيت، أمر لا حرج فيه من الناحية الشرعية، فانطلقوا يقاتلون ويحاربون حتى تحقق لهم النصر.

هذا بالنسبة لحروب الردة أما الفتوحات العربية “الإسلامية” فنلتقي بها في المقالة التالية لنعرف بواعثها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وكيف وجدت الجيوش العربية المسلمة مسوّغًا دينيًّا لها؟ وهل كان هذا المسوَّغ مستنداً إلى قاعدة دينية وشرعية متينة أم ثمة مبالغة في تأويل الآيات والنصوص؟

Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.