أدب و تراث مختارات مقالات نصوص أدبية

آخر لحظاتي مع أمي

أوراق سقطت من مذكّرتي

بقلم: شاشة محمد باحيو – الجزائر

قبّلت رأسها فأحسسّت بالحمّى تفور منه…

جزع قلبي فنادى: يا .. الله…

فقلت لها متغافلة ومتفائلة: طهورا إن شاء الله يا أمّي…

أجابتني بنظرات من عينيها الحنونتين.. تخبرني ما أهمّها وتشجعني.. فقالت بهما بدون كلمات: بنيّتي …! بل أنا أنتظر موعدا قريبا مع الكريهة فاستعدي واصطبري…!

سدلتُ نظري عنها مفزوعة..! فأنا لا أريد أن تعلم أنّي فهمتُ كلام عيونها…!

أو بالأحرى…! لم أحتمل ما أخبرتني عيونها… فانشغلت بتفقّد حقيبتي.. واخترت التجاهل والفرار هذا الموقف… فاستنجدت بالهديّة التي كانت فيها فأخرجتها وأنا أقول:

هذه هديّة بسيطة لك يا أمّي وأرجو أن تعجبك…

قدّمتها لها فأمسكتها بكلتا يديها وهي تقول:

تقبل الله منك.. إنّها جميلة…هل أهديت لأختك مثلها…

أجبتها وأنا أعلم أنّها ستسأل هذا السؤال:…نعم طبعا يا أمّي…

أضافت أمّي وهي تحاول أن تسترجع أنفاسها من عُمق لتستطيع الكلام:

لقد اتعبني المرض كثيرا في الآونة الأخيرة…! فتشجعتُ وقررتُ أن أبقى مع أختك.. حتّى أنّي خاطبت بيتي حين مغادرتي فقلت لها:

(لا أستطيع البقاء وحدي ولن أحزن عليك وإن نخرك التصدّع)

فأجبتها.. وأنا أعلم كم كانت تحبّ بيتها ولا تريد مغادرته: نِعمَة ما فعلت يا أمّاه..! فصحّتك أولى بالاهتمام… وأنا كنت مطمئنة في سفري حين علمتُ أنّك مع أختي ترعاك حفظها المولى…

فاسترسلت أمي: قبل قليل قدّمت لي أختك الحليب لكنّي لا أجد عندي شهيّة ووعدتها أنّي سأشربه بعد صلاة العشاء بإذن الله…

دار بيننا حديث لطيف في ذلك المساء أمّي.. أنا.. أختي.. بناتها.. بناتي..

تكلّمنا عن المطر الذي منّ الله به علينا في البلدة الأسبوع الماضي.. والسيول التي أدخلت الفرحة إلى قلوب الصغار والكبار.. وسعد الجميع بالهدايا…

قالت أمّي في سرور هذه الهدايا دليل غناك يا ابنتي…

يا أ الله..! دائما تريدين أن تطمئني علينا يا أمّي…! قلتها في قلبي…

فقلت لها: الحمد لله يا أمّاه…

ورجعت إلى نفسي متسائلة عن حقيقة الغنى وحقيقة الإنفاق؟

فعُدت لبيتي مع  رحيل المساء…

بعد صلاة العشاء…طلبت أمّي من أختي احضار كوب من الحليب…

وما إن أنهت أمّي آخر رزقها في الدنيا…

زارت الكريهة بيت أختي… فهزّت أركانه بآخر أنفاس أمّي تتصاعد لبارئها…

فكان الحليب آخر شيء دخل جوف أمّي..!كما كان أوّل شيء دخله منذ 59 سنة…!

فارقت أمّي الحياة في حجر أختي…بعد أن أتمّت صلاة العشاء…

أخبروني بوفاتها.. فدمعت عيوني وقلبي يتقطع ويقول: اصبري فقد أخبرتك بذلك قبل ساعة وأنت التي رفضت…

عدت إلى بيت أختي…

فوجدته قد امتلأ نصبا وحزنا…

أزحتُ الغطاء عن وجه أمّي بعد أن استسلمت روحها لبارئها.. فوجدتها نائمة والسرور بادٍ على مُحياها…

توقّف الزمان في لحظات… فتذكّرتُ كلَّ ما عانته أمّي في حياتها وما ضحّت به من أجلنا… لا أستطيع وصفه..! إلا بتلخيصه في كلمة واحدة: أنت مثال عظيم للصبر يا أمّي…

رجع شريط الزمان بي.. فأحسسّت بحنان يديها النديتين بغسل الأواني وهي تعيد ترتيب خماري في أوّل أيّام تكليفي… كانت تعلّمني كيف أتحجب لأذهب إلى المدرسة… كانت تُعيد تخميري عدّة مرّات لتتأكد من سلامته ولتعلّمني.. وكنت أسعد كثيرا عندما لا يُطاوعها…! فهذا يعني أني سأعيش لحظات إضافية بالقرب من أنفاسها الطاهرة ونعومة عطر يديها الزكيتين… أحبّك أمّي.. شكرا لأنّك كنت تعيدين ترتيب خماري عدّة مرّات…!

ثم تذكّرتها… وقد رجعتُ أصغر من ذلك… عندما دعتني لأنام في حجرها.. لأنّها تريد أن تتسامر مع العائلة الكبيرة.. فهي فرصة لاجتماعهم هذه الليلة… فأضع رأسي على حجرها فتضع يدها الكريمة على جبيني فيغمرني إحساس لا.. ولن أجده في غير حجرها الحنون… هدوء.. وسلام.. وأمان.. يُدغدغ كلَّ جوارحي… فتأرجحني حركاتُها عند ما تأخذ كأس الشاي تارة من على الطاولة لترشفه… وحين تعدّل من جلستها لتستند على المخدّة تارة أخرى… فأستسلم للنعاس وسط تلك الأجواء الرائعة.. حوار جميل… كلام رقيق… مزاح لطيف… رائحة الشاي والنعناع وشرشرته بين الإبريق والكؤوس…

فأفتح عينيّ مع حركة خفيفة للكبار توقظني وهم يتوجهون لصلاة الفجر فأجد نفسي تحت غطاء ناعم على فراشي! فلا  اتذكّر متى نِمت…؟ ولا حتّى كيف حملتني أمّي إليه…!

ثم رجع بي الزمان إلى أبعد من ذلك… فتراءت لي أمّي وهي بنت تسع سنين.. قد أحضر لها والدها كرّاسا وقلما.. فعلّمها كتابة الحروف والكلمات برفقة ابنة أخيها وتوأم روحها… كم كنتا سعيدتين باهتمام واحتواء الأب والجدّ والمعلّم الطيّب…

وها هي أمّي بعد أن تعلّمت الكتابة.. تساعد أمّها مع أخواتها.. في توزيع لحم الناقة على أهالي القرية فشهر رمضان على الأبواب..! فأخذت مهمّة كتابة أسماء العائلات على الهدايا.. وبعدما اطمأنت جدّتي على أنّ كلّ بيت من البيوت.. قد أرسلت إليه نصيبه.. آوت إلى فراشها آخر المساء مع بناتها الخمسة.. بعد يوم طويل من العمل الدؤوب.. فاستسلمت إلى النوم مطمئنة.. راجيّة المولى أنّ يتقبل منها.. وأنّ يغفر تقصيرها ويزيدها رشدا وهداية…

ليلةٌ طويلةٌ من ليالي جويليّة… ليلة حارّة لا نسمة ولا غيمة..!  لا صوت فيها ولا حركة..!  إلّا عجلة جرار دلوِّ الماء البارد.. الذي يرتفع من على سطوح المنازل.. يُصفر ويسترسل في حكرته برفق حين يُسحب للشرب… أحيانا من هذا السطح..! وأحيانا من ذاك..! ومع اقتراب وقت السحر تعالا بكاء صغار القرية…فملأت أسماع جدّ أمّي وهو متوجّه إلى المسجد.. فاعتصر فؤاده ألمًا وهو يتساءل:

يا إلهي..! أغفلت الأمهات عن سقيّ صغارهن في هذه الليلة الحارّة..؟! أهو بكاء الظمأ…؟!

فاعتلى ثلاثة وستين درجة داخل صومعة المسجد..!  فأذّن بصوت عذب وشجي.. ولا زال بكاء الصغار يُدمع عينيه ويحيّر قلبه … فلمّا فرغ من الآذان..! نادى بصوت جادٍّ امتزج بأنين مشاعر الرحمة: يا أهالي القرية.. استيقظوا وأسقوا صغاركم الماء… اسقوا صغاركم الماء يرحمكم الرحمان..

جدّ أمّي قلب عامر بالرحمة والحلم… مؤذّن القرية… وخياطٌ..! ومصلِّح للساعات..! كيف لا..؟! ولا تُضبط أوقات الصلوات إلا بضبط الأوقات..! ذاك جدّي الذي لم أره..! لكنه حمّل أحفاده مسؤوليّة ثقيلة..! بسمعته الطيّبة التي تسري دائما على الألسن كلّما ذكرته ذاكرة التاريخ…!

فارقت أمّي الحياة… فأحسسّت لحظتها.. أنّها سلّمت إليّ مشعلها ودفعتني للحياة…!

فأيقنت أنّنا في هذه الحياة.. ليس لعبا ولا لهوا.. وإنّما لغاية سامية.. (وَمَا هَٰذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ ۚ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) (64 العنكبوت)

فانطلقتُ بجدّية.. باحثة عن معنى أن نحيى.. ؟!ونموت..؟! ومعنى أنّ الدار الآخرة..؟! هي الحيوان…؟!

أمي الغالية العظيمة.. لازلتِ تعلمينني حتّى بعد رحيلك..!

الإهداء إلى روح أمي الغالية.. إلى كلّ الأمهات المجاهدات والقراء الأعزاء.

 

 

Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.