دين مقالات

الحلقة السادسة من أنيس الأصحاب من سورة الأحزاب

بقلم إ. اياد خندقجي

قال تعالى (وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا ١٢، وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا ويستأذن فريق منهم النبي يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا ١٣، ولو دخلت عليهم من أقطارها ثم سئلوا الفتنة لآتوها وما تلبثوا بها إلا يسيرا ١٤)

سبب النزول

نزلت في ‫مُعَتِّبُ بْنُ قُشَيْرٍ وَأَضْرَابُهُ رَاضُونَ بِهِ. قَالَ: يَعِدُنَا مُحَمَّدٌ بِفَتْحِ كُنُوزِ كِسْرَى وَقَيْصَرَ، وَأحدنَا لَا يَقْدِرُ أَنَّ يَتَبَرَّزَ فَرَقًا مَا هَذَا إِلَّا وَعَدُ غُرُورٍ. (أبو السعود)

التفسير

بعد أن بينت الآيات الأحزاب الذين تواطؤوا لحرب المسلمين في المدينة من خارجها تبين الدور الأخطر للمنافقين في الداخل.

فترى طائفة منهم يشككون المؤمنين بتأييد الله لهم بقولهم ان محمدا الذي وعدكم بكنوز كسرى وقيصر جعلكم تخشون الخروج لقضاء الحاجة.

ثم ان طائفة منهم نكصوا عن الانضمام للمدافعين عن المدينة بقولهم ان بيوتنا عورة.

كلا الفريقين كاذب وما مرادهم الحقيقي الا التخذيل وهزيمة المؤمنين لتخلو لهم المدينة.

توضح الآيات ان المنافقين سيكونون مستعدين لفتنة الناس عن دينهم بالانضمام لجيش الكفار ان دخلوا المدينة.. اما في حال طلب اللبث في المدينة لحمايتها فلن يطيقوا المكوث الا يسيرا وذاك جريا على عادتهم في التلون والاختباء وراء المنتصر واللعب على الحبال جميعها حتى اقتناص الفرص الجالبة لمصلحتهم.

هذا شان المنافقين في كل زمان ومكان.. قصته الأحزاب بالدليل المعاين في غزوة الخندق.

أنيس الأصحاب

كنت وأصحابي قد اتفقنا على كتابة لطائف حول هذه الآيات نقرؤها في عزلة ثم نناقشها فكان ما يلي:

–  عن الفرق بين المنافقين والذين في قلوبهم مرض

ذكرت الآيات الصنفين معطوفا بينهما بحرف الواو الذي يفيد الاشتراك والتغاير.. وعليه فالمنافقون يشتركون مع الذين في قلوبهم مرض بالمرض وهو الريبة والشك وهم مختلفون عنهم بان المنافقين كفار في داخلهم اما الذين في قلوبهم مرض فقد يكونون ضعاف إيمان خالط الشك قلوبهم

والواقع دل على ذلك وساهم المنافقون فعلا في ولادة هذا الصنف من المؤمنين الذين هم للأسف اسافين سوء تنخر في الدولة حتى تخربها

–  حول (ما وعدنا الله ورسوله الا غرورا)

ان الذي أخبر بان كنوز كسرى وقيصر ستؤول للمسلمين هو الرسول.. فما بال القوم يقحمون (الله) في افتراءاتهم؟

ان هذا الاسقاط النفسي يجعلنا ننتبه الى حقيقة هامة وهي ان قولهم دل على إيمانهم بهذه الصلة بين الرسول صلى الله عليه وسلم وربه.. وعليه فانهم يتهمون الرب بما اتهموا به الرسول

وتلك من سقطاتهم التي لم يستطيعوا تجاوزها ونقلها الكتاب لنتعلم منها ان الفطن هو من ينتبه لخطاب عدوه الذي لا بد ان يسقط فيه ببعض غباء

–  حول (يثرب)

التعبير عن المدينة بيثرب ورد في الكتاب هنا وهنا فقط بينما عبر عن المدينة باسمها في الأحزاب والتوبة والمنافقون

والذي جرى هو ان زعيم المنافقين كان قد خذل المؤمنين بقوله (يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا) وكان يعلم بغض الرسول عليه الصلاة والسلام وكراهته لهذا الاسم حتى انه غيره لطابة او طيبة..

وعليه فان مثل هذه التسمية المنقولة عن متلون كابن سلول لن ينطق بها الا في حال كحال المسلمين في غزوة الأحزاب اذ القلوب قد بلغت الحناجر والوضع في غاية الصعوبة بالنسبة للمسلمين

اما التسمية بالمدينة وورودها في الكتاب فكانت في سياق تشريع او قوة للمؤمنين حينها

–  ما المقصد من قول ضعاف القلوب (ان بيوتنا عورة)؟

ان ما دفع الخبيث لمثل هذا العذر هو الصورة التي كونها المؤمنون لديه حول الشرف وحرمة النساء في البيوت.. فكان ان حاول الابتزاز بها بقوله اننا سنترك البيوت عورة من خلفنا ان نحن خرجنا وربما انتهكت محارمنا…

ان مما يؤيد ما ذهبنا اليه هو ان الله قال من بعد (وما هي بعورة) ردا على شبهة قد تقع فعلا كمقتل في قلوب المؤمنين.. هي ليست بعورة فلا تكذبوا

نعم.. لم يكتف الكتاب بقول (ان يريدون الا فرارا) رغم انها الحقيقة.. لكنه سبحانه رد عليهم اولا ثم بين حقيقتهم…

هذا درس لي ولك.. لا تطلق الاحكام وان كنت محقا دون بيان الحال والرد على الشبهات فالمؤمنون فيهم الضعيف والكفار يتربصون

–  قرأنا في الآية (ولو دخلت عليهم..) قوله تعالى (لآتوها).. هكذا بمد الألف.. فما معناها في السياق؟

قد قرئت الكلمة بمد الالف (لآتوها) وبهمزة (لأتوها) وعلى المد يكون المعنى انهم سيهبون المدينة للأعداء ولن يجلسوا فيها من بعد الا يسيرا حتى لا ينكشفوا

وعلى القصر يكون المعنى انهم سيدخلونها ويطلقون الفتن ثم لن يلبثوا الا يسيرا حتى لا ينكشفوا

وعلى كلا القراءتين فان المنافقين بخبث يعززون الكارثة من الداخل بشكل يفوق اذى الأحزاب من أسفل المدينة وفوقها

–  ان من يطلب الاستزادة بمزيد فهم للغزوة وظروفها سيكون اقدر على فهم سياق الآيات وهذه اللطائف.. لذا فاننا نوصي بمراجعة ما ورد في صحيح السيرة حول غزوة الخندق.

أعظم ما استفدت

ان دور ضعاف الإيمان الذين تهزهم العواصف وتكسرهم النوائب ربما كان أخطر من دور المنافقين والكفار… والحذر منهم لا يكفي فهم يعيشون بيننا ونحن مضطرون للتعايش معهم

لذا فان من وظيفة الدعاة والقادة ان يسعوا لتقوية الصف الداخلي وخلع بذور الفتنة والضعف قبل الكارثة

وللحديث بقية إن كان في العمر بقية

Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.