سياسة مختارات مقالات

الاحتلال الإسرائيلي والنضال الفلسطيني بين مفهومي الصراع والنزاع


“قراءة مفاهيمية حول الصراع الفلسطيني الإسرائيلي”

بقلم/ رزان السعافين 

تختلف التعريفات حول مفهومي الصراع والنزاع في تاريخ القضية الفلسطينية مع الاحتلال الإسرائيلي على مستوى دولي سواء بالمصطلحات المتداولة إعلاميا أو سياسيا، أو الموثقة في آلاف الوثائق والكتب والمنشورات منذ نشوء الصراع وحتى الآن، وأحيانا تتداخل وفقا للمصلحة والهدف لدى الجهات المعروفة لدى أطراف النزاع أو الصراع.

تشكل المفاهيم

لقد اصطلح “شفيق الحوت” بأن الصراع هو تعبير يقتصر على وصف العلاقة التصادمية بين متناقضين يستحيل التعايش بينهما ومحكومين بإهلاك الواحد منهما للآخر والخروج بصيرورة جديدة. بينما مصطلح النزاع هو تعبير عن وصف علاقة بين متناقضين يمكنهما المساومة دون حاجة أي منهما للقضاء على الآخر.

وذكر “بيدرو بريجر” أن النزاع الفلسطيني – الإسرائيلي بدأ على شكل مواجهة بين حركتين متضادتين. كانت الحركة الصهيونية علمانية في بداياتها، وتطلعت دوما إلى بناء دولة قومية لتكون وطنا لليهود كلهم. أما بالنسبة إلى الفلسطينيين الذين تأثروا بالكفاح ضد الاستعمار وبالأفكار الأوروبية، فقد استخدموا أيضا مفهومات الوطن والقومية، وابتعدوا عن الفكر الديني التقليدي السابق لظهور هذه المفهومات الحديثة في القرن التاسع عشر.

وأشار “بريجر” أيضا أن هذا التفكير قد تغير في أعقاب حرب عام 1976م، فاحتلال الضفة والقطاع، وبخاصة مدينة القدس أوجد تحولا في الخطاب السياسي الإسرائيلي إثر تصاعد نفوذ المجموعات القومية الدينية المتطرفة التي مزجت بين القومية والفكر اللاهوتي. فلم تعد الذرائع في عدم التخلي عن الأراضي المحتلة براغماتية أو سياسية بل أخذت تتحول إلى سماوية.

كانت مئات الحاخامات من ذوي النفوذ يقولون إن التخلي عن “أرض إسرائيل” التي حررت من الأجانب هو واحد من الخطايا.

وعليه فالنزاع يتم بين طرفين بينهما تفاعل غير مستقر بشكل غير متوافق، يصحبه تصادما بالاتجاهات والمصالح والمعايير والقيم والتطلعات، ويلجأ كل طرف لتغيير الواقع الموجود وفقا لما يرجو ويريد حسب مصالحه.

أما الصراع الذي نشأ مفهومه مع تعاقب مراحل النضال هو عدة نزاعات متداخلة حسب المصالح المتعددة ليكون أكثر شمولية لتلك النزاعات؛ أي أن تكون الدول لها دوافع وتصورات وأهداف لتحقيق الإمكانيات والموارد خلف تلك النزاعات محدودة الاتجاه والهدف المراد، ليحتوي الصراع تلك النزاعات المتعددة الأهداف والمواضيع على مستوى أكثر شمولية.

توظيف المفهوم وفقا المعطيات

إن تساءل أحد حول كون ما يحدث بين الفلسطينيين والإسرائيليين في التاريخ فهو بلا شك صراع قائم ولا زال، لكن الكيان الإسرائيلي يعتبره نزاعا، وتحميه القرارات الدولية والحماية الأمريكية، فطريقة الإدارة الأمريكية العرجاء في تعاملها مع السلطة الفلسطينية دليل على مكانة القضية السلبية لديها منذ عقود زمنية، ويتبعها هذه المرحلة تمهيدا لمستقبلها في الشرق الأوسط، وذلك في تهميش وجود السلطة وجهودها وتاريخ المفاوضات واتفاقيات السلام من جانب، وعدم اعتبارها للكفاح المسلح من جانب آخر سوى أنه بالنسبة لها توجه إرهابي.

فالتعامل مع الصراع تحديدا في هذه المرحلة يتم توجيهه ليكون ضمن تسيير الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لخطة صفقة العصر؛ مع الجدير بالذكر أن القوى الدولية تتعامل مع الصراع الفلسطيني الإٍسرائيلي مصدر النزاعات الإقليمية.

يرى “الحوت” أن بعد كارثة كامب دافيد الأولى، بدأت الدبلوماسية المصرية باعتماد مصطلح “النزاع” بديلاً عن “الصراع” بين العرب وإسرائيل.

والدبلوماسية المصرية لا تنطق عن الهوى، وتدرك الفرق بين المصطلحين في فلسفة اللغة ولغة الفلسفة.

ولقد شجعت اتفاقية أوسلو على ذيوع مصطلح النزاع بعد أن اعتمدته الدبلوماسية الفلسطينية التي كان لا بد لها من ذلك، انصياعاً لما ارتكبته بحق القضية من تنازلات تجلت في أبشع صورها حينما أصبحت تشير إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 بأنها أراض متنازع عليها وليست محتلة، وكانت قد أسقطت من حساباتها كامل حقوقها في الأراضي المحتلة عام 1948.

مساعي حل الصراع

ومن المعلوم أن مكونات حل أي نزاع تعتمد على كل من طرفي النزاع، وأهداف الأطراف، وأساليبهما المتبعة، ففي الاعتبار الإسرائيلي ووفقا له يُعتبر الصراع نزاعا، والفلسطينيون جزء منه مقابلهم، أما بالنسبة للهدف فيرمي الفلسطينيون حسب الجانب الإسرائيلي إلى الحصول على حقوقهم وفقا لأراضي السلطة الوطنية الفلسطينية المتعارف عليها دوليا، وهذا يختلف في حال مفهوم الصراع الذي يهدف به الفلسطينيون بالأساس استرداد حقوقهم الكاملة على أراضيهم المسلوبة وليست المنزوعة على حدود عام 1948م.

أما الجانب الإسرائيلي فينازع الفلسطينيين على مناطق محددة ويعتبرها لهم ورغم كل ذلك حاول فرض سياسته بالاستيطان حتى في المناطق المتفق عليها دوليا، وهدفه السيطرة الكاملة وعدم استقرار الفلسطينيين على أي حال، هادفا بطموحه لتحقيق حلم إسرائيل الكبرى.

وبهذا الاعتبار يعتبر الاحتلال الإسرائيلي أن أرضه هي حلم ممتد التوسع ونزاعه مع الجانب الفلسطيني محدود بشروطه ومطامعه وقيوده، راميا خلف ظهره كل المساعي الفلسطينية معه خاصة بعد حرب حزيران عام 1967 التي أصبح بعدها مفهوما ومعلوما أن أرض إسرائيل غير قابلة للتفاوض، والوضع العربي في صراعه بدأ يتشتت بجهوده بين الإسلامية الصاعدة، والقومية المستمرة، مما عزز تواجد إسرائيل سياسيا ودينيا في تمددها على الأراضي الفلسطينية.

ورغم تباعد الأهداف أو التقائها لدى الطرفين، فإدارة الصراع اتخذت أبعادا مختلفة وفقا للحقب الزمنية التي مرت بها المنطقة، فعقلية الجانب الإٍسرائيلي هي البطش والسيطرة وفرض الذات بانتزاع الحقوق وسلب الأراضي في مفهومها للنزاع وفرض أسلوب القوة سواء العسكرية أو الإعلامية أو التكنولوجية، لكن الجانب الفلسطيني اعتبرها صراعا شاملا كل المناحي الحياتية على الصعيد المحلي والدولي، سواء على صعيد المفاوضات، أو الكفاح المسلح، أو المقاومة الشعبية وغيرها.

في الختام:

جراء تلك الأساليب المتبعة في تحقيق أهداف كل طرف، نستطيع بعدها كما ذكر آنفا، معرفة رؤية كل موقف من الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني لملفات هذا الصراع لكل من غشم ولم يعلم حقيقة التوجه الإسرائيلي وتمدده الأخطبوطي في الشرق الأوسط تحت حماية الذراع الأمريكي ومنظماته الأممية التي تم إنشاؤها خصيصا خدمة لهذا المشروع الكبير منذ قرون مضت.

فالصراع الفلسطيني الإسرائيلي مهما تجذر وتعمقت شرايينه في عمق الأرض العربية، فحتما سيبقى مادام الحس الإيماني والوطني لدى الأجيال تتجدد أوراق نموه عبر تعاقب فصول النضال، إما بتحرير كامل للأرض واسترداد الحقوق على أكمل وجه، أو استمرار هذا الصراع إلى ما لا نهاية، فالاحتلال الإسرائيلي سيظل يدور في دائرة مفرغة في مفهومه النزاعي في انتزاعه للأرض والحقوق والنضال إلى أن يتم انتزاعه وفقا للمعطيات والمؤشرات المستقبلية بين صاحب الحق من عدمه.

المراجع:

برييجر، بيدرو، “الصراع العربي الإٍسرائيلي – مئة سؤال وجواب”. مركز دراسات الوحدة العربية (بيروت)، 2012م.

الحوت، شفيق. “الفرق بين الصراع والنزاع!”، جريدة الاتحاد (أبو ظبي)، 06/09/2000

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.