أدب و تراث مقالات

في بيت أحمد أمين

كتب الاستاذ محمد عبد العاطي:

في عام ١٩٨٥ نشر حسين أحمد أمين ضمن سلسلة كتاب الهلال كتابه “في بيت أحمد أمين”، يروي فيه ذكرياته عن والده وطرفا من سمات شخصيته، ومما استوقفني الليلة وأنا أطالع هذا الكتاب قوله:

في عام ١٩٥٤ كانت وفاة والدي عن ثمانية وستين عاما، ولا أملك اليوم (بعد ٣١ عاما من الوفاة) نفسي من العجب كلما فكرت في بساطة معيشته وقلة احتياجاته: مأكله وملبسه ومختلف عاداته.

فإفطاره كوب من اللبن وقطعة من الجبن، وغذاؤه خال من النشويات لاصابته بمرض السكر البولي، وعشاؤه اللبن الزبادي وبعض الفاكهة…

وهو قليل الاحتفال بالملبس. غير أنه لم يهمله إلا في السنوات الثلاث الأخيرة من حياته بعد إصابته بجلطة في ساقه وتدهور صحته. فاستغنى عندئذ عن رباط العنق .. ولم يعد يستنكف من الظهور أمام الناس ولحيته لم تحلق.

وبساطته في أسلوب معيشته تنعكس في كتاباته وأسلوبه الأدبي. فهو لا يعرف تأنقا أو حذلقة، وإنما قلمه يجري بما يعنّ له من خواطر، والجملة عنده على قدر الفكرة. وهو يكتب للعامة كما يكتب للخاصة..

وهو خجول حييّ في المحافل العامة.. إن سار سار مطرقا، وإن دلف إلى قاعة اجتماع أو مجلس قوم اضطربت خطواته وتعثّر. وقد دفعه ذلك الضعف الشديد في بصره إلى أن يتجنب النظر إلى الناس حتى لا يحسب أحدهم أنه لم يحيّه استكبارا، أو تجاهله عامدا، وقد حدثنا مرة عن كيف قصده رئيس الوزراء في محفل عام ليصافحه ويهنئه على كتاب جديد له، فسأله والدي عن اسمه، وهو ما أحرج الرئيس وأغضبه..

وهو شديد التواضع دون أدنى تكلف، تحيته للوزير كتحيته للساعي أو الخادم..

وكان سخيا إلى أبعد الحدود، ساذجا أشد السذاجة في أمور المال، ولا أظنه كان ليترك مليما واحدا لأسرته لولا حرص والدتي وحسن تدبيرها، فهو يمد يد العون دوما لأقربائه الفقراء..

وقد كان مع هدوئه وتواضعه وطول صمته وقلة كلامه قويّ الشخصية مؤثرا فيمن حوله. وهي قوة نابعة أساسا من قوة خلقه ونبل مبادئه ومسلكه وعدله وموضوعيته. فالعدل والموضوعية سمتان بارزتان فيه، سواء في حياته الخاصة أو العامة، وهي السمة الغالبة في كتاباته…

وقد تفسِّر موضوعيته وعدله كراهيته للحزبية، وعزوفه عن الاشتغال بالسياسة. وقد حاول في شبابه الأول أن يهتم بالسياسة فلم يفلح: “فقد كنتُ أخاف السجن وأخاف العقوبة. ولعلّ من أهم أسباب خوفي إشفاقي على والديّ وقد أصبحت ابنهما الوحيد بعد وفاة أخي ، إذا سمعا بحبسي أو عقابي هدّ ذلك من كيانهما الذي أشرف على السقوط. وقد علّمني أبي الافراط في التفكير في العواقب . ومن فكّر في العواقب لم يتشجّع. والسبب الثاني أن مزاجي مزاج علمي لا سياسي… “..

وهو مع كراهته للملك وسروره بعزله، لم يجد في الكثير من تصرفات عبد الناصر خلال السنتين الأوليين من الثورة مدعاة للاعجاب [توفي أحمد أمين عام ١٩٥٤ كما سبق القول] . وأجدني اليوم ابتسم كلما تذكرت كيف كان يجلس باهتمام شديد للاستماع إلى خطب عبد الناصر في المذياع، ثم يقوم في غضب وألم لاغلاقه بعد دقائق معدودات حين تتكرر الأخطاء النحوية على لسان “الخطيب”، وهي أخطاء كانت تؤذي مسمعه أيما إيذاء.

Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.