سياسة مقالات

الفوضي في زمن الجرذان

كتب الدكتور لؤي ديب:

يعرف كل منّ عملوا علي سفن الشحن التجارية الكبري أن ظاهرة الجرذان التي تعيش علي هذه السفن لا يمكن مقاومتها أو القضاء عليها بأي شكل من الأشكال، فجرذان سفن الشحن ذكية جداً وتستطيع تجاوز كل أنواع السموم والفخاخ وتتخذ من جيوب ضيقة لا يمكن الوصول اليها في هذه السفن بيوتاً لها وهي تتغذي علي شحنات الغذاء علي متن السفن لدرجة دفعت شركات التأمين العالمية الي التسليم بوجودها ووضع الخسائر الناتجة عنها ضمن حساباتها في بوالص التأمين البحري.

الغريب في الأمر ان هذه الفئران تستشعر غرق السفينة قبل الإنسان ، وهي دوماً تقفز من السفينة قبل غرقها وتجيد السباحة لمسافات طويلة حتي تصل الي البر أو تتسلق سفينة أخرى لتتغذي عليها وكأنها من أهل البيت دون إنتماء فهي تغادر قبل أي خطر ولا تنذر من شاركته رحلة السفينة.

نوعيات هذه الجرذان في السلوك تمليء المجتمعات البشرية وتتسلق علي مقدراتها وتنهب وتستنزف ميزانياتها وساعة الجد تهرب وتترك السفينه للغرق.

وعلي ذلك يمكن القياس في المجتمع الدولي والعربي والفلسطيني فتلك الجرذان تملأ حياتنا وتستوطنها كأمر واقع وتحوز حصة الأسد من كل خير وتكون اول من يهرب وينقلب فهي لا تعرف الولاء للموطن وانما ترتبط بسبل عيشها دون أي إعتبار أو إنتماء او ولاء.

كثيرون بيننا وحولنا ممنّ يحملون الجينات الوراثية لجرذان سفن الشحن يتوهمون أن المركب الفلسطيني توشك علي الغرق وكل منهم يقفز في اتجاه يستشعر به طريقاً للنجاه علي حساب تاريخه وحاضره وماضيه فهو في النهاية جرذ يسرق من حق غيره دون وجه حق ويعيش بين ظهرانينا كمخرب يفسد في المكان الذي يأكل منه لدرجة تجعله يعتقد انه أسد وما هو الا جرذ سفينه لم يصل لمستوي جرذ البيت الذي لديه الكثير من عوامل الانتماء للمكان.

تلك الجرذان أصبحت تظهر بصورة اوضح للعلن في الفترة الأخيرة ، وتكيل وترمي بما تحمل من قاذورات لأنبل ظاهرة عرفها التاريخ الإنساني ألا وهي الشعب الفلسطيني.

السعودية .. الامارات .. البحرين .. الكويت ..قطر ومصر والعراق ولبنان وسوريا وعمان والاردن والسودان وليبيا وتونس والجزائر والمغرب ومورتانيا وجيبوتي والصومال واليمن … كلها تحتضن الملايين ممنّ يذبون عشقاً في فلسطين وأهلها ، أجيال كاملة تربت وكبرت علي عشق فلسطين واهلها ولا يمكن أن يؤثر حاملي جينات جرذان السفن علي مفاهيم ترسخت بداخلهم بالتجربة والتربية ومعاقرة التجارب والدم الذي سال من اقصي الشرق والغرب علي أرض فلسطين.

لكنه زمن ظهور الجرذان يأتي مصاحباً لمنّ أصبحت لعنتهم في تكاليف الحصول علي لعنة ملكهم وقيادتهم للجرذان.

علي مدار عقد مضي احتلت خارطة اللجوء الفلسطيني المساحة الجغرافية العربية بأكملها ومعها ادرك اخواننا العرب أن الفلسطيني يمكن اخراجه من فلسطين ولكنه يستحيل اخراج فلسطين من الفلسطيني ، وعلي هذا الأساس كانت المعادلة بكل ما واكبها من سلبيات وايجابيات التجربة الفلسطينية ، فنحن لم نكن أنبياء وكانت لنا أخطائنا وكنا في كثير من الأحيان ضحايا لمن اقترفته أيدينا ومؤامرات الغير علينا واستثمارهم للجانب الجامع في فلسطين وقضيتها ، ولكن الشيء الأكيد في هذا الصعود والنزول الذي صاحب رحلة القضية الفلسطينية علي الصعيد الرسمي ان الفلسطيني كان وما زال هو الحاجز الفولاذي الذي منع الكثير من المصائب عن المنطقة العربية وعلي ظهره تكونت الرفاهية العربية الكاذبة ورسخت أنظمة كثيرة أربطتها ودكتاتوريتها متحججة بفلسطين ، وكما افقدتنا الهزائم فلسطين فانها أعطتهم سلاسل حكمهم البائس.

نعشق كل ما هو عربي وننتمي اليه ولن يدفعنا من يبللون فراشهم ليلاً لأن نخسر إخواننا او يدفعهم للتخلي عنا.

لكنها مرحلة الجرذان كما اسلفنا وكنا نحن صناعها بامتياز قبل ان تفلت من أيدينا وتنتقل عدواها الي الجوار العربي ، فبالله عليكم ايهما اخطر علي القضية الفلسطينية مسلسل تيلفزيوني ام الإنقسام والاجابة لا تحتاج لاجتهاد اثنين للافتاء فيها.

الفنان الذي قبل ان يُسقط عن نفسه لقب الفنان ويستبدله بلقب الجرذ المرتزق ، او المدون النكرة في عائلته ومجتمعه ووجد مدخلاً لنفسه في الكيل لمن يرابطون علي بوابه الارض للسماء ، كلهم سيواجهون نظرات ابنائهم وسوف يتساقطون من العيون فما هم الا طاريء في عالما المرير .!

متي نتعلم او بمعني أدق ندرك كيف نستخدم عدو عدونا لنهزم عدونا ونصبح أقوياء وقد ولدت اسرائيل كلقيط مشوه يحمل في احشائه ألد اعدائه سنكون قد تجاوزنا من يسحبنا لحالة الاشتباك العربي الفلسطيني الي النصر الذي لا نستطيع التفريق بين مفاهيمه ومفاهيم الهزيمة؟!

متي ندرك أن أعظم انتصار هو الذي يأتي بدون معارك ، وان استخدام الهدوء لمحاربة الفوضي هو أرقي فنون السيطرة علي العقول والوجدان ، وان أولئك المستعدون فقط عندما يواجهون عدو غير مستعد ينتصرون ، ولكم ان تتخيلوا منذ متي نسينا الاستعداد!

والاستعداد لا يعني الحرب لان عدونا محترف حروب ويمتلك امكانياتها ودوما محترفو الحروب يجرون اعدائهم الي ميادينها وقد استطاعت اسرائيل ان تخلق مئات الميادين التي تغرق الفلسطيني فهو في حرب مع كل شيء حتي مع نفسه!

متي ندرك أننا نعيش الفوضي التي صُنعت لاحداث التغير الكبير ومتي سوف نقتنع انه لا يمكن محاربة الفوضي الا بالنظام الذي نفقد مع كل يوم عمود من اعمدته في حياتنا؟!

أخطاء الحروب كانت بالبندقية او علي الفضاء الالكتروني يُدفع دوما ثمنها بالدم ، وكل نظام يشجع علي التنمر علي الشعب الفلسطيني لا يدرك انه يصنع تطرف قومي قادم لن تُحمد عقباه ، فالعالم مقبل بعد كرونا علي نزعة قومية ستكون شديدة التطرف وسوف تنتقل عدواها وتنتشر كما ينتشر المشروم في الغابات وستفل ظاهرة الارهاب لصالح القومية الغير معتدلة وما يأتي اليوم في شكل كوميديا او دراما سيكون مستقبلا وبالاً مغمس بالدم وغضب أولئك الذين لا يمتلكون من الوعي الا قليلاً!

امتلاك الفكرة كامتلاك السيف والفكرة الفلسطينية يملؤها الانفلاش والتردد والتنافر تماما كجسم مريض تتهاوي مناعته ولن تتعافي الفكرة الا بتعافي الجسد الذي أُثخن بجراح وطعنات من ضلوا طريقهم صدفة الي السياسة ومعترك النضال الفلسطيني.

رغم كل الفوضي لا يساورني أي شك أن فلسطين وقضيتها ومع التغيرات التي ستعصف بالكثيرين في العالم ستكون في صدارة الحدث ، لكن هذه الفوضي ان لم تواجه بالنظام ورؤية فلسطينية متينه وجسد غير متفرق ستضع القضية في الواجهة ولكن بطرق لن تسعدنا ولن تسعد اخواننا العرب.

مخاطر ما يحدث ومحاولات مراهقي السياسة ستورث ندماً كبيراً ان لم تواجه بسيف العقل وحكمة الحكماء التي تخلصنا من لعنة الجرذان وزمانهم.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.